ونحن على أعتاب شهر عظيم، شهر رمضان المبارك الذي أنزل فيه القرآن، أيام فاضلة يجعلها الله تعالى مفاتيح الخير ينادي المنادي يا باغي الخير أقبل، شهر يتجلى فيه ركن من أركان الإسلام شعيرة الصيام، فيه نفحات رحمة يفتحها لعباده، فهذه من أيام الرحمة ونفحات كرم الله ومغفرته التي يمن بها على عباده، فلابد أخواتي أن نسارع فيه الى مرضاة الله ونحن مقبلات على أيام تحتاج الى سعي واجتهاد ليكون العمل مقبولا ومن أحسن أعمال السنة، يقول الحسن البصري «من نافسك في دينه فنافسه، ومن نافسك في دنياه فألقها في نحره»، فلنتسابق في الطاعات (فاستبقوا الخيرات) ولتكن منافستك دائما في مرضاة الله.
قياس الإتقان
هناك أعمال أساسية في رمضان أولها الصيام الذي لابد أن تسبقه النية وهي الإمساك عن الطعام والشراب وصيام الجوارح واتباع السنة والصبر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه»، وقال صلى الله عليه وسلم: «رُب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر»، ويقول الإمام الغزالي: «وللصوم ثلاث مراتب: صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص، فأما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وأما صوم الخصوص فهو كف النظر واللسان واليد والرجل والسمع وسائر الجوارح عن الآثام، وأما صوم خصوص الخصوص فهو صوم القلب عن الهمم الدنيئة، والأفكار المبعدة عن الله تعالى، وكفه عما سوى الله تعالى بالكلية.
مراتب الصلاة
وقياس الإتقان في الصلاة يتركز في أدائها في وقتها وإتمام أركانها وشروطها وواجباتها والخشوع فيها. عن أبي اليسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «منكم من يصلي الصلاة كاملة ومنكم من يصلي النصف والثلث والربع حتى بلغ العشر» وللناس مراتب في الصلاة كما قال ابن القيم وهي خمس إحداها: مرتبة الظالم لنفسه المفرط وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها، فالقسم الأول معاقب، والمرتبة الثانية، من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها لكن قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة فذهب مع الوساوس والأفكار، والثاني محاسب والثالث: من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق صلاته فهو في صلاة وجهاد، والثالث مكفر عنه.
أما المرتبة الرابعة: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها لئلا يضيع شيئا منها، بل همه كله مصروف الى إقامتها كما ينبغي وإكمالها وإتمامها، قد استغرق قلبه شأن الصلاة وعبودية ربه تبارك وتعالى، والرابع مثاب، والخامس: من إذا قام الى الصلاة قام إليها كذلك، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه عز وجل ناظرا بقلبه اليه مراقبا له ممتلئا من محبته وعظمته كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطوات وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض وهذا في صلاته مشغول بربه قرير العين، والخامس مقرب من ربه فمن قرت عينه بصلاته في الدنيا قرت عينه بقربه من ربه عز وجل في الآخرة وقرت عينه أيضا في الدنيا ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين.
الصدقة
يكون قياس اتقان الصدقة بالإخلاص، لا رياء ولا منّ ولا أذى، فيجب أن تتحرى الطيب والجيد والمفيد ومن أحبّ الاموال إيصالها لمستحقيها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أفضل الصدقة صدقة في رمضان» وقال صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا».
الدعاء
الدعاء عبادة وهو حبل يوصل بينك وبين الله وحتى أتقن الدعاء عليّ أن أراعي آدابه بالتذلل والخشوع بين يدي الله وخفض الصوت، قال تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون» وقال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم ودعوة المسافر».
قراءة القرآن
ولقياس الإتقان في قراءة القرآن يتمثل في تلاوته بتدبر وفهم وحب وتطبيق لما تعلمناه وكان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، فينبغي للمؤمن أن يتلو كتاب الله بتدبر وأن يرتله ترتيلا، وإذا مر بآية الجنان سألها الله عز وجل وإذا مر بآية النيران استعاذ بالله منها.
العمرة
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عمرة في رمضان تعدل حجة» وفي رواية لمسلم «عمرة في رمضان تعدل حجة معي» وهو دليل على أن العمرة في رمضان لها مزية عن غيره من الشهور، فإذا ذهب الإنسان الى مكة في رمضان وأحرم للعمرة وأداها فإنه يحصل له هذا الثواب العظيم الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فهنيئا لك يا أختي بحجة مع النبي صلى الله عليه وسلم. ولإتقان العمرة أديها كأنها أول عمرة تؤدينها بإقبال على الله واستحضار أجر العمرة.
ليلة القدر
قال صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
فيجب تحريها وإحياؤها بالعبادة. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «دخل رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد حُرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم».
الاعتكاف
الاعتكاف هو قطع العلاقة عن الخلائق والاتصال بالخالق، والتفرغ لعبادة الخالق ولو ليوم واحد بقطع كل اتصال بالبشر والتفرغ لعبادة الله والأنس به. عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكفت أزواجه من بعده»، وقال الزهري رحمه الله: «عجبا للمسلمين! تركوا الاعتكاف مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله عز وجل».
اللهم بلغنا رمضان وأعنا فيه على الصيام والقيام.
ألقيت المحاضرة في جمعية الرعاية الإسلامية بالعديلية