رشيد الفعم
في 9 سبتمبر 2014، كانت الأمم المتحدة أمام مشهد غير مسبوق منذ نشأتها في 1945..فمن مقرها في نيويورك، وباحتفالية تاريخية، تعلن تسمية الكويت مركزا إنسانيا عالميا، وأميرها سمو الشيخ صباح الأحمد أميرا للإنسانية.. وقتذاك، لخصت المنظمة الدولية الحدث الكبير، بعبارة على لسان أمينها العام السابق بان كي مون: «رغم صغر مساحة البلاد، إلا أن قلب الكويت أكبر من الأزمات والفقر والأوبئة..وقائدها الشيخ صباح يمثل قيادة استثنائية للعمل الإنساني ورفع المعاناة عن المحتاجين في دول العالم كافة». في ذاك اليوم، وقف سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، ممتطيا ثوب الفخر والإجلال، ومتأزرا اعترافا دوليا، ووقارا عالميا لسياساته الرصينة، وديبلوماسيته الحكيمة، ودراية فائقة في الأحداث القريبة والبعيدة..وإكبارا للنهج الكويتي في دروب المحبة والإخاء، وهو ما كان جليا في تصريح للامين العام للأمم المتحدة الحالي أنطونيو غوتيريس قبل أسابيع قليلة: «الكويت ليست لها أجندة في الصراعات.. أجندتها السلام والتفاهم..وهي من الدول الرئيسية المساهمة في العمل الإنساني للأمم المتحدة كشريك موثوق به للغاية».
كلمات هي في الواقع، صك جميل وامتنان لوعد قطعته الكويت على نفسها فأوفت، وعهد لم تحد عنه..صدح به سمو الأمير في 14مايو 1963، وهو يلقي خطاب بلاده بمناسبة قبول عضويتها في الأمم المتحدة، لتتوالى السنون، وتبرهن الأحداث أن هذه الدولة الصغيرة، هي الأكثر التزاما للمواثيق الدولية، واحترام القانون، ونصرة الإنسان... والأسرع فزعة ولهفة للمعوز، ووأد الفقر، وكبح المرض.
وها هي ذكرى 9 سبتمبر تعود..وما أشبه الليلة بالبارحة..فسمو الأمير مرة أخرى في الولايات المتحدة الأميركية.. الفرق، أنه في واشنطن بدلا من نيويورك، ومستضيفه الرئيس دونالد ترامب، وليس الأمين العام للأمم المتحدة..أما المضمون فهو ذاته لم يتغير..كويت الإنسانية والصداقة والسلام، تحمل هموم المنطقة إلى البيت الأبيض، مدعومة بتأييد عربي وأجنبي، رأت في صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الحصن الحصين، والسياج المتين، لتأمين البيت الخليجي من التصدع، والإطفائي القادر على إخماد نيران الشتات بين الأشقاء..لتبقى الأخوة الخليجية كما هي، ووفقا لما أرادها المؤسسون... فسموه إذا توشح في لقاء المنظمة الدولية قبل ثلاثة أعوام رداء أمير الإنسانية، فإن ترامب يلتقيه بصفته أيضا أمير المصالحة، وسيد الوئام، وصمام أمان، وواحة استقرار، وكبير سياسات نبذ الإرهاب والتطرف.
وإذا كان الأمين العام للأمم المتحدة وصف الكويت بـ«الحليف الموثوق فيه»، وسمو الأمير «زعيما إنسانيا»، فإن واشنطن أكثر جزما بأن السياسة الكويتية «الأعمق في المواقف، والأميز ديناميكية»، مثلما هي الأبعد عن «جماعات القتال، ومصادر النيران، وبؤر التوتر»..في وقت تراها «الأفضل عونا للحلفاء والأصدقاء في التصدي لما يعكر صفو المنطقة، ويسيء لعيشها الكريم»... ولذا، فإن الولايات المتحدة، تكبر في سمو الأمير احتضانه مؤتمر إعمار المدن العراقية، ونصرة العراقيين ضد «داعش» وعصابات التدمير، مثلما أبرزت سابقا بعين الإعجاب والإجلال، المواقف الكويتية تجاه رفع معاناة اللاجئين السوريين، واستضافته الفرقاء اليمنيين، والدعم اللوجيستي الكويتي للتحالف الدولي ضد الإرهابيين.. وغيرها، فالسلسلة طويلة.
وما بين محطة قادت سمو الأمير إلى نيويورك في وقت مضى، وأخرى إلى واشنطن، ثمة تشابهات أخرى، فالأمم المتحدة لخص مسؤولوها الكويت وزعيمها بأن «هذه الدولة تقدم العون للإنسان من غير شرط أو فرض مصلحة شخصية.. فهي تنتهج سياسة ثابتة مبدئية».. هكذا كان وصفهم، يوم غادر سمو الأمير احتفال تكريمه.. والأمر ليس بعيدا عن مسؤولين أميركيين، لم يتحرجوا من التصريح: «كثير من القيادات العربية تأتي إلى واشنطن، لا نرى لديهم طرحا محددا أو مبادرات مدروسة، بل تمنيات وأحلاما ليست مقبولة في العمل السياسي».. إلا أنهم لا يشملون الكويت بمن قصدوهم..«فصاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، حينما يزور البيت الأبيض يطرح قضايا محددة ويفند أبعادها ويرسم حلولها.. فيكون الحوار مع الرئيس الأميركي فيها واضحا، والوصول إلى اتفاق حولها أسرع».. وهكذا هو لقاء سموه مع ترامب.. انتهى وقته المحدد..لكن نتائجه ستراها الأيام المقبلة، بأم العين..في البيت الخليجي، أو المحيط الإقليمي.