بقلم: محمد إيراني/ سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الكويت
لا أحد في طهران يصدق بأن أميركا تسعى لخفض التوتر مع إيران، والدليل على ذلك واضح.
إن الشعب الإيراني يسأل عما إذا كان الرئيس الأميركي جادا في سعيه لخفض التوتر مع طهران فلماذا انسحب من الاتفاق النووي لوحده منتهكا القرار 2231 لمجلس الأمن الدولي؟ ان المجتمع الدولي أيقن اليوم بأن الولايات المتحدة لا تسعى لتقليص التوتر ولا تطمح للتفاوض مع إيران سوی من أجل أهدافها الخاصة.
في يوم الأربعاء الماضي الموافق 31 يوليو بادرت الولايات المتحدة بفرض العقوبات على د.محمد جواد ظريف عميد الديبلوماسية الإيرانية، ومن خلال إدراج اسمه في قائمة العقوبات مارست عملا غريبا وغير مألوف لتثبت من جديد تجاهلها للقواعد الدولية وقانون المعاهدات واتفاقيات الحقوق الديبلوماسية، وتضاعف تصعيد التوتر بين البلدين.
ان الممارسات الأميركية تمثل عودة لمنهج القرون الوسطى وممارسة التعامل الإقصائي إزاء المنطق وإسكات الرأي المخالف وهو إن دل على شيء فإنما يدل على الاضطراب والعصبية المفرطة.
لماذا بادر الرئيس الأميركي لاتخاذ هذا القرار؟
من وجهة نظر الأميركان فإن منطق السيد ظريف وحضوره المتميز في الأوساط الجامعية ومناظرته مع مؤسسات ثينك تانك (Think -Tank) واللقاءات الإعلامية المتعددة مع كبريات وسائل الإعلام المقروء والمرئي قد مثلت تهديدا جديا لا مجال لنكرانه.
وإذا علما ان وسائل الإعلام في أميركا وبقية بلدان العالم تلعب دورا محوريا في تنوير الرأي العام أو تحريفه فإن د.ظريف ومن خلال استثمار الديبلوماسية الشعبية واختراق الأوساط الأكاديمية والنخب العلمية، نجح في إدانة السياسات الأميركية وتبرئة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسوف يواصل هذا المسار.
وإذا لا تصدقون بان الرئيس الأميركي قد فرض العقوبات على د.ظريف للحيلولة دون نشاطه المتميز وحضوره الفاعل في المحافل الدولية ومشاركته في الندوات المؤثرة، فمن المناسب مراجعة تصريحات جون بولتون مستشار الأمن القومي الذي قال بصراحة «ان الولايات المتحدة ترى في أنشطة ظريف ما يستدعي فرض مثل هذه العقوبات».
من الواضح ان أميركا وخلافا لما تدعيه من الدفاع عن الحريات والديموقراطية فإنها تخشى من تصريحات ونشاطات وزير الخارجية الإيراني لا في أميركا فحسب بل في أرجاء العالم، ولهذا فإن الهدف الرئيسي من مبادرة أميركا لفرض العقوبات على د.ظريف هو الحيلولة دون نشاطه الديبلوماسي والإعلامي والأصداء الواسعة لهذا النشاط في شبكات التواصل الاجتماعي.
ولا يخفى على أحد ان د.ظريف من خلال حضوره في قلب نيويورك ومحاضراته في جامعات هذه المدينة ولقاءاته الإعلامية الحية والمفحمة مع شبكات التلفزة العالمية مثل CNN وnbc فقد نقل الصراع الإعلامي الى قلب الولايات المتحدة.
إن السؤال الذي طرحه للمجتمع الدولي هو: لماذا انسحبت أميركا بشكل أحادي ولا مسؤول من اتفاقية دولية تتمتع بتأييد من مجلس الأمن الدولي بقرار 2231 وتكفل السلام والأمن الدولي؟
بأي منطق قانوني يستند على الحقوق الدولية والقواعد القانونية يقوم رئيس جمهورية ما بانتهاك القوانين ويصمت الآخرون لفعلته أو يتعرضون للتهديد في حال اعتراضهم؟ لماذا تكون مكافأة المصداقية الإيرانية والتزامها تعهداتها في الاتفاقية هي فرض المزيد من العقوبات ومحاصرة الشعب الإيراني؟
لا شك بأن رئيس الجمهورية وإدارة السياسة الخارجية الأميركية ونتيجة للقاءات ومحاضرات وزير الخارجية الإيرانية خلال العام الماضي لم يجدوا حلا سوى فرض العقوبات على السيد الوزير، لاسيما ان تصريحات السيد جون بولتون والسيد بومبيو تشير الى هذه النقطة بوضوح.
في الوقت نفسه، ان تصريحات العديد من الشخصيات السياسية الحالية والسابقة في الولايات المتحدة مثل ريتشارد نفيو مهندس العقوبات الأميركية ضد إيران إبان فترة الرئيس أوباما اعتبر ما فعله السيد ترامب غرورا أعمى ويتنافى مع المبادئ الديموقراطية.
أما مقاطعة د.ظريف رجل المفاوضات الأول في إيران فقد كشف ايضا الكذبة الكبرى للبيت الأبيض وشخص رئيس الجمهورية وفضح سلوكه المتناقض للملأ.
النقطة الأخيرة هي ان ما قامت به أميركا لا يعني استعراض التفوق والاقتدار الدولي بل يدل على الهوان والضعف، ولا شك بأن أحقية الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأحقية المنطق العادل للسيد وزير الخارجية أمام منطق الغطرسة والهيمنة سوف تتضاعف يوما بعد يوم.