الحاج راغب الخالدي
من أهم الشخصيات الفكرية التي ساهمت في تطوير (المكتبة الخالدية) الشهيرة في القدس الشريف في أواخر القرن التاسع عشر، هو الحاج (راغب بن نعمان الخالدي) الذي ورث إدارة المكتبة عن جده الأكبر (محمد صنع الله الكبير) الذي وضع نواة المكتبة وحولها الى مكتبة عامة بعد ذلك، تمول من الأوقاف التي وقفتها عليها احدى بنات الشيخ نجم الدين مفتي القدس، وتعود هذه الأوقاف الى احد اكبر امراء المماليك وهو الظاهر بيبرس الذي تزوج من ابنة احد امراء المغول وهو حسام الدين بن بيركة خان وهو الذي اشترى الأرض وسميت بـ (الخالدية) نسبة الى خالد بن الوليد وإلى العائلة، وكانت تحيطها مبان مملوكية عريقة حتى استولت إسرائيل على معظم الزوايا والمدارس بعد حرب 1967 ولم يبق من طريق باب السلسلة المعروف إلا (الخالدية) وكانت المكتبة قد افتتحت بمخطوطاتها عام 1720، ثم افتتحت كمكتبة عمومية على يد (راغب الخالدي) عام 1900 وظلت حتى عام النكبة 1948 مرجعا للمفكرين والباحثين والمثقفين والدارسين، وزادت أهميتها لموقعها في الطريق المؤدي الى احد أبواب الحرم المقدسي الشريف، واشترط الحاج راغب الا يخرج منها كتاب، على ان تكون مفتوحة الأبواب، كما أوصى بأن تؤول ملكية كتب من يتوفى من العائلة، الى المكتبة العامة الخالدية.
وقد شمل فهرسها عام 1900 حوالي 1156 مجلدا منها حوالي 685 مخطوطا، وقد قام الحاج راغب بترميمها وجلب الكتب اليها، وكان من اهم زوارها آنذاك المستشرق البريطاني مرجوليوث وقد وصل عدد مجلداتها حتى عام 1917 الى نحو 4 آلاف مجلد، بينها مخطوطات نادرة، وزارها فيما بعد المستشرق الفرنسي ماسينيون والألماني كاله والبريطاني الشهير (جيب) وكثيرون غيرهم، كما زارها عدد من المفكرين اليهود ولم يكن الصراع قد اشتد آنذاك بعد، بين العرب واليهود.
وقد ظل الحاج راغب يطورها حتى وصفها كبار مؤرخي العرب آنذاك بأنها اعظم دور كتب القدس في الاربعينيات من القرن العشرين.
وكان يساعده بعض رجال العائلة من اهل الفكر حتى قامت حرب 1948، فنزح بعضهم الى لبنان لوقوع منازلهم واراضيهم على خط النار، ويقال انه قد زاد عدد الكتب في المكتبة الخالدية في ذلك الوقت الى 12 ألف مجلد، برغم ان الاحصائيات اثناء الانتداب البريطاني لم تؤكد هذا الرقم، وظلت إيرادات المكتبة في تراجع بسبب الانفاق على صيانتها من مال المؤسسين الخاص، وكذلك في شتات بعضهم بعد الحرب وإنشاء إسرائيل، حتى ان احد كبار المشرفين عليها مع الحاج راغب، وهو خليل بن بدر الخالدي لم تستطع اسرته نقل مكتبته الثمينة التي كانت تتكون من آلاف الكتب، بسبب ظروف الاحتلال، وسمح فقط بإهداء حوالي 700 مجلد الى مكتبة المسجد الأقصى.
توفي الحاج راغب الخالدي في نابلس عام 1952، وخلفه ابنه حسين الخالدي الذي كان آخر رئيس منتخب عربي لبلدية القدس بكاملها حتى عام 1938.
ويكفي وجود الحاج راغب الخالدي وجدوده من الخالدية ليثبت للعالم ان فلسطين كانت ارضا يعيش عليها شعب في غاية التحضر، قبل إقامة دولة إسرائيل.
من كتاب: شخصيات صنعت التاريخ ـ أسيمة جانو