بقلم: عبدالمحسن محمد المشاري
تذكرت قصيدة نزار قباني قارئة الفنجان، لأن قارئة الفنجان هذه المرة بالقطع ستجلس والخوف بعينيها تتأمل وطنا بدا وضعه مضطربا، وربما ستخبرنا بألا نحزن، ليس لأن الحب مكتوب علينا، بل لأن الفوضى السياسية قدر كتب على الكويت. وعادة ما يذهب المرء إلى قارئة الفنجان وهي لا تعرفه ولا تفطن شيئا عنه، إنما تخبره عن واقعه كما تراه هي في فنجانه المقلوب، أو كما يحلو لها أن تقنعه بأمور وأخبار تستنبطها من تفاصيل ومعلومات حياته.
أما هذه المرة فقارئة الفنجان على وعي، وفطنة بحاله ومقامه وواقعه المكرور، وأحيانا بغده القريب الآتي، فلقد صار وجها مكشوفا وقلبا مفتوحا لا يحمل سرا أو معنى ضمنيا يخفيه عنها فهي شريكته في واقع لا يستقر، ستقول قارئة الفنجان في هذه السنة، ستظهر أسماء شبابية جديدة في عالم السياسة لأن لعبة الشطرنج هي لعبة الملوك ولعبة الموت ولعبة الضربة القاضية ولعبة المكر والخيانة والخداع وكل الأسلحة غير المشروعة، هذه اللعبة لابد أن تنتهي بموت أحد الملكين، لا مكان فيها لحلول الوسط، قانونها القوة وفرض السلطان، لعبة يضحي الجميع فيها من أجل أن يعيش الملك، العساكر والأحصنة والأفيال القوة الرادعة التي تدافع عن الملك والوزير، إنها لعبة السلاطين والعبيد، سلاطين يجلسون فوق العروش وعبيد يدافعون عنهم بأجسادهم، لا مكان للتمرد، من يتمرد يموت، لأن موت الملك يعني موت الجميع وانتهاء اللعبة، لعبة الغلبة فيها للأقوياء الذين يملكون أسباب النصر، أما الضعفاء، فمهما قاوموا ومهما «كشوا» الملك فمصيرهم الهزيمة والقتل والذل، الذي يدير المعركة هو الوزير، الذراع الأيمن للملك، إذا مات الوزير اقترب الخطر من الملك، التضحية تكون بالصغار من أجل أن يعيش الكبار، سقوط الملك يعني انتهاء اللعبة وانتصار الخصم، الكل مشغول بالوصول إلى الملك، لا أحد يهمه موت العسكري أو الفيل، أو الحصان، المهم الوصول للملك، الوصول للملك هو الغاية الكبرى التي يسيطر بها الخصم على العرش وعلى كل شيء، فرأس الملك هي المعجزة التي تحقق للخصم كل ما يصبو إليه من السيطرة والقوة لتحقيق أهدافه، بدون الوصول للملك يصبح كل شيء عبثا، مجرد تسلية للوقت، فاللعبة قائمة على موت الملك، كل الوسائل في هذه اللعبة مشروعة من أجل إسقاط الخصم وإسقاط الملك رمز القوة.
الكذب والخداع والمكر والغدر والخيانة والتضليل، كلها أسلحة مشروعة للطرفين، هكذا ينص قانون اللعبة، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة والغاية هي قتل الملك، والتخلص من حراسه بداية الوصول إليه، لا مكان في لعبة الشطرنج للأخلاق، الأخلاق هي أن تصل للملك بكل الوسائل. أميركا عندما أرادت رأس صدام حسين، دمرت العراق، وعندما أرادت رأس الملا عمر، دمرت أفغانستان، وعندما أرادت القذافي دمرت ليبيا والآن تريد بشار الأسد، جعلت الشعب يقتل بعضه بعضا، فكل شيء في هذه اللعبة مباح، القتل وسفك الدماء والتخريب وفتح الثغرات، الكل مباح، ومستباح حتى الإرهاب مباح، وبث الرعب في قلب الخصم مباح.
إنها حرب مفتوحة بحرا وجوا وبرا، لا وساطة فيها ولا مدد، لا صديق ولا حليف يستطيع إنقاذك حتى الأسلحة المحرمة دوليا، مباحة، لا سلطان لمجلس الأمن ولا الأمم المتحدة عليها، محررة من كل القيود، إلا قيد القوة والقتل، في النهاية الضعيف هو الذي يموت وهو الذي يقتل وتسفك دماؤه وهو الذي يستسلم ويخسر كل شيء عند الوصول للملك، إما أن يستسلم، كما استسلم حسني مبارك للشعب وإما أن يقاوم حتى الموت، كما قاوم القذافي الثوار، النهاية واحدة، فكما يقول المثل «تعددت الأسباب والموت واحد» ورغم حلكة الصورة وقتامتها تلك التي يحملها وجه الفنجان وقاعه فإن قارئة الفنجان تبعث ابتسامة علها تكون أملا لمستقبل أفضل ورسالة وصلتني وزد عليها الكثير.almeshariq8@
[email protected]