المجتمع كائن حي يعيش على سفينة متعددة، ويجوب البحار والمحيطات أملا في أن يعثر على أرض يابسة آمنة دافقة بالحياة التي تصنع الوجود الفعال المتطور، ويقوم المجتمع بحماية هذا الوجود عبر تأسيس القيادة المنظمة وممارسة تأمين الروافد والمصالح والمنابع التي تحقق الأمن والاستقرار، وهكذا تنمو بذرة ما نسميه (المجتمع الإنساني) ليصبح كيانا مؤهلا لبناء العلاقات مع الكيانات الأخرى عبر تكريس الاحترام المتبادل/التواصل الإنساني/البناء المشترك/الإبداع الكوني ولا شك أن هذه الرباعية هي الميزان الذي نقيس به نجاح المجتمعات وإمكانية ازدهارها واستمراريتها في المسيرة الحضارية المتميزة عبر الأزمان المختلفة ليصبح الوجود والإبداع الإنساني فيها حقيقة وواقعا لا يستطيع أن يتجاهله أحد كائنا من كان.
أمام هذه الحقيقة الكبري لابد أن نسأل أنفسنا سؤالا ضروريا: هل تمتلك أي قيادة سياسية في هذا العصر الإحساس بأهمية هذه الحقيقة وأن خطورة عدم وجودها في واقعنا الراهن باتت تشكل تهديدا كبيرا لاسيما في ظل الافتقار الشديد الى منظومة القيم والعدل والأمان وضرورة طرح وتداول مسألة شكل العدالة في المجتمع السياسي والمدني ومشاريعها وكيفية تكريس قيم ومفاهيم مهمة جدا كمفهوم (الضمير) في المجتمع وغيره.
لابد أن يحرص ممارسو القيادة على نزاهة الروح ونظافة اليد لكي لا يسرع الفساد الى البناء الحضاري فيدمره على رؤوس الكل، وفى هذا المجال ينبغي أن نؤكد على الدور المهم جدا لفلاسفة الحقوق والأدباء الذين يسخرون أقلامهم في خدمة العدالة والنزاهة والحرية.
انه من طبيعة السلطة أن تحارب التوازن المبني على الحرية وإبداله بالتوازن المتأرجح المبني على المصالح والمحاصصة الفئوية والذي يكرس مفهوم الاستعلاء ويشرعن للهبات السياسية التي تستعبد مختلف الفاعلين في المجتمع وهذا التوازن المتأرجح ليس إلا قناعا من الأوساخ المعنوية يخفي وراءه وجوها مشوهة وأرواحا مظلمة لا تؤمن إلا بالشراهة المصلحية وحسب.
من هنا تكمن الخطورة على المجتمع بل وعلى السلطة أيضا لأن هذه الرذائل السياسية والاجتماعية ذات أثر لا حدود له في تدمير أفراد المجتمع وصناعة التوحش والتخلف الإنساني.
إننا بحاجة الى الإصرار على تكوين ثقافة جديدة تبرز الضمير المتيقظ كأساس اجتماعي وسياسي تتمحور حوله أفعال السلطة/الفرد/المجتمع لتكون النجاة من الغرق عامة، لأننا كلنا في سفينة واحدة، وهذه السفينة تحتاج الى مداميك فلسفية وأعمدة حقيقية لكي تنهض وتسير في خضم البحار التي تموج بالديكتاتوريات التي أشغلت العالم بالصراعات الباردة والساخنة التي تدمر كل سبل الارتقاء الإنساني والتطور الحضاري المتجدد.
يجب علينا أن نصون ثقافة الديموقراطيات الحقيقية التي تحترم حقوق الانسان وحرياته وتكرس حقوق المواطنة الصالحة الرشيدة وتنبذ المحاصصات والفئويات الطائفية والسياسية وتعيد للمجتمع بهاءه وتألقه الإنساني من جديد، إنه موقف جاد ومواجهة حقيقية وليست أمنية وحسب.