يقول أحد الفلاسفة: «معاناة الإنسان الكبرى أنه لا يستطيع أن يعيش بين أربعة جدران»، وهذه الحقيقة تفضي بي إلى ما أريد قوله في هذا المقال، وهو أن الإنسان تحيط به من كل جهة مؤثرات تشبه ليل النابغة الذي يقول فيه:
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
إن هذه المؤثرات بعضها يستهدف عقولنا وأفكارنا، وبعضها الآخر قلوبنا ومشاعرنا، ولتلك المؤثرات وسائل شتى تتوصل بها إلينا، ويتفاوت التأثر بحسب الإدراك والثقافة، وبحسب الثراء والفقر، ومن المؤثرات التي لا يكاد يسلم منها أحد، التأثر الذي تراه عند كهل مازال يتشبث بعادات وتقاليد وطقوس، لا لشيء سوى أنه فتح عينيه على حياة من سبقه في الوجود سواء في أسرته أو في مجتمعه.
إن هذا النمط من التبعية ليس شرا محضا ولكنه خطر جدا حين يسلم المرء له قياده دون أن يمحص ببصيرته الصحيح من السقيم.
ولكن المؤثرات التي أردت الحديث عنها في هذا المقال أخطر وأبشع مما سلف، ذلك أنها مؤثرات تفرض على الإنسان فرضا ويقصر عليها قصرا، وإنك لتراها متفشية عند الأمة التي يخاطبها عمر أبو ريشة بقوله:
أمتي هل لك بين الأمم منبر للسيف أو للقلم؟
ألست اليوم إذا ما أردت أن تعيش حرا، فانك ستنحت الصخر بأظفارك وترمض القفار أقدامك وتدميها لكي تخطو خطوات نحو حياة ناجحة كريمة، وما أطولها من رحلة وما أمرها وأحلاها.
وأما ذاك الذي طأطأ رأسه ورضي بأن يكون تابعا للجاه أو للمال أو للحزب أو للقبيلة، فإنه سيقفز قفزات الكنغر نحو القمم ولكنه حيثما حل سيحمل عاره معه ظاهرا في تورم بطنه، ومهما احتال لستره، فلن تخفيه البشوت مهما غلت واتسعت.
في هذا الفضاء الملوث تضيق عليك المسالك عن قصد لكي تذعن وتنقاد لهذا أو ذاك طوعا أو كرها، ترغيبا أو ترهيبا، فلا تكاد تسير في أي اتجاه إلا والشراك منصوبة لكرامتك وحريتك، شراك لا تذر شأنا من شؤونك إلا وزرعت فيه، يصطادونك عند آلام المرض، وفي أحلام النجاح، يغلقون كل الأبواب ويوصدونها، ثم يضعون لك المفاتيح في طرق شتى ليس فيها طريق واحد تصحبك فيه الكرامة.
إن هذه الألغام التي تستهدف الكرام مبثوثة في كل عالمنا العربي، وعلينا جميعا أن نزيلها اليوم عن طريقنا وعن طريق أبنائنا غدا، لا أن نتنزه فيها بين مستخف بالليل وسارب بالنهار.
ولله در الفارس العبسي الجاهلي حين قال:
لا تسقني ماء الحياة بذلة بل اسقني بالعز كأس الحنظل
وكم يطيب لهذه الحروف أن تخرج من سجنها لتستقر في هذه المساحة التي يمضي فيها القلم حرا مرفوع الجبين، ليكون جديرا بمس يميني، وجديرا بتقبيل عين القراء.
[email protected]