الطالع والمتابع للدراسات والبحوث من قبل العلماء والباحثين والمفكرين يجد ان مفهوم الجرأة الإنسانية يعاكس مفهوم الخوف والجبن والخنوع والسقوط.
فقال بعض العلماء: ان الجريء من لا ينهار ولا يتداعى لا في السراء ولا في الضراء انما يشارك ويتحرك أو يقوم بأعمال يعجز عنها أفراد آخرون من الجنس البشري نتيجة جبنهم وخوفهم وابتعادهم عن الحقيقة.
فالإنسان الجريء هو الذي يتحمل الصدمات والمصائب والعراقيل والحواجز والضغوط من أجل تحقيق الهدف المنشود فلا تهزه العقبات والحواجز والآلام وتمنعه من الوصول والسعي والمثابرة والعمل والعطاء وتحقيق ذلك الهدف.
ومن مواصفات الإنسان الجريء انه دائم ومتواصل ومستمر في البحث عن الحقيقة منطلقا من مفهوم ومبادئ العدالة والطهارة ومواجهة الأهواء والنزوات شعارا ومبدأ له.
نعم.. الشخص الجريء هو الذي يقاتل من أجل بث روح الحق والخير والعدالة، قد ينهزم بعض الوقت، لكنه لا يتقهقر ويتخلف، فهو ذلك الفرد الذي يقف جدارا صامدا أمام كل سبل الانتقادات والأساليب الملتوية ويتلقاها ويتسلمها بقلب مفتوح ورحب.
فالإنسان الذي يحمل هذه الصفات الأخلاقية يعتبر في بعض المشاهد كالشهيد الذي يقف مرفوع المكانة والهيبة وسط الانحلال والتسيب والعداء، فهو يكون بعيدا عن مفاهيم التكبر والتجبر والتفاخر والتمايز والتصانيف البغيضة، فعندما يكون الإنسان السوي ذا جرأة وشهامة وعزة يترسخ في نفسه مثال العظمة والجلال والقوة، ويستطيع ان يكون له دور مميز بالأحداث والمشاهد والمواقف حسبما هو يريد في سبيل تحقيقه، وهناك الكثير من قادة الفكر والمعرفة والحكمة، الذين استطاعوا من خلال هذه الصفات الأخلاقية ان يقضوا على الصعوبات والحواجز والعوائق والمصاعب والقضايا والصراعات وان يطلقوا أفكارهم في هذا العالم الصغير..!
فسقراط تجرع كأس السم في الثانية والسبعين من عمره، ولم يتنازل عن فكره ومبادئه، فقط لكي تكون حية في نفوس البشر.
وإذا نظرنا من جانب الدين والديانة، فسنرى انه نزل المنشار على رأس النبي زكريا عليه السلام، وسقط الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام مضرجا في دمه في محراب العبادة بسيف الجهل البغيض، واستشهد الإمام الحسين عليه السلام في سبيل تحقيق العقائد الإسلامية وصيانة وحماية وحفظ رسالة جده المصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي تبقى الحقيقة الناصعة والصحيحة لمبادئ الإسلام.
ونحن في رحاب شهر ذي الحجة من العام الهجري تمر علينا ذكرى الشجرة الطيبة من الإسلام المحمدي، التي تصادف يوم 18 من ذي الحجة تنصيب الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في مكان يطلق عليه «غدير خُم» فبعد عودته من حجة الوداع أخذ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بيد الإمام علي فرفعها حتى رؤي بياض إبطيهما وعرفه القوم جميعا، فقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعلي مولاه، يقولها ثلاث مرات.
وفي لفظ الإمام احمد بن حنبل: أربع مرات.. ثم قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب.
حتى نزل أمين وحي الله بقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي).
نعم.. ذلك هو الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام، هو الرجل الجريء والشجاع في مواجهة طغيان الفساد والانحلال وتمزيق الوحدة الإسلامية وتشويه الحقائق والمبادئ والأخلاق الإسلامية، فالإمام علي عليه السلام نشأ في بيت من أفضل بيوت الإسلام.. هو بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صبي صغير، وأول من آمن من الصبيان، واستقبل علمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا الإنسان الجريء يقول في حقه رسول الإنسانية والإسلام المحمدي صلى الله عليه وسلم: «أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب» (السيوطي ـ الجامع الصغير/ج1) وقال أيضا: «أنا دار الحكمة وعلي بابها» (السيوطي ـ الجامع الصغير/ ج1)، كما أكد ذلك الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في مشهد آخر حينما قال: «فمن أراد ان يرى آدم في عمله او نوحا في طاعته او ابراهيم في خلته أو موسى في هيبته أو عيسى في صفوته فلينظر الى علي بن أبي طالب» (الفخر الرازي/ التفسير الكبير ج8).
لهذا انطلق الإمام علي عليه السلام الجريء مجاهرا بالحق وبمفاهيم الإسلام التي آمن بها لتحقيق عوامل استقلال الإنسان في هذه الحياة، فهو الذي استشهد في سبيل الحق والعدالة الإلهية نتيجة جرأته وشهامته ورشاده.
في الختام.. يجب على المسلمين ان يتأسوا بالشخصيات والقيادات والأمثال الإنسانية التي يحمل أصحابها الجرأة والشجاعة، كالإمام علي عليه السلام في مواجهة الفساد والأهداف والغايات المنحرفة في اي مجتمع كئيب ومنحل وخارج نطاق العدالة الربانية الصحيحة والمقدسة.
فاكهة الكلام: في سورة النساء ـ الآية 58: قال رب العزة والجلال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل).
[email protected]