من أعظم الانكسارات التي قد تصيب وعي الإنسان، أن يخلط المرء بين «ميزان الله» و«موازين البشر»، فيتوهم أن بريقه في أعين الناس هو بالضرورة رفعة عند الخالق، أو أن خفوت ذكره بينهم ينقص من قدره في ملكوت السماء.
لقد حسم الخالق سبحانه وتعالى معيار التفاضل بكلمات قاطعة: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). هي قاعدة ذهبية تجعل «التقوى» الميزان الثابت الذي لا يميل مع ريح الزمان، بينما يبتكر البشر لأنفسهم موازين هشة، تبنى على المصالح، أو الفخر بالعرق والمال والمنصب.
وهنا تكمن العلة، فحين تتحول «المكانة الاجتماعية» إلى مسطرة للحكم على كرامة الإنسان، تتسلل أمراض التعالي، ويصبح «من أنت؟» في سجلات النسب أهم من «من أنت؟» في ميزان القيم.
لقد جاء الإسلام ليحطم هذه الأصنام الذهنية، فرفع بلالاً الحبشي من أغلال العبودية ليجعله «سيدا» يصدح بالتوحيد فوق الكعبة، بينما كان ميزان الأرض يراه مجرد عبد مستضعف.
وقدم لنا التاريخ نموذجا فريدا كـ «أبو ذر الغفاري»، الرجل الذي لم تبهره موازين الأرض ولا بريق الدنيا، بل عاش ومات «صدوقا» زاهدا، لا يزن الناس بذهبهم وفضتهم، بل بصدق لهجتهم ونقاء سرائرهم. لقد كان أبو ذر يدرك أن القيمة الحقيقية تكمن في الاستقامة، حتى وإن مشى الــمرء في الأرض غريبا وحيدا، فإنه في ميزان السماء علم يشار إليه بالبنان.
إن المجتمعات التي تلهث خلف المظاهر تظل أسيرة للصراعات، بينما المجتمعات التي تستلهم «ميزان السماء» هي التي ترتقي بالتواضع والاحترام المتبادل. فكم من «بسيط» في نظر الناس هو عند الله عظيم، وكم من «صاحب جاه» هو في ميزان الحقيقة هباء منثور.
ويبقى السؤال الذي نضعه أمام ضمائرنا: هل نحكم على من حولنا بميزان الله القائم على الجوهر، أم بموازين بشرية متغيرة قد ترفع من لا يستحق، وتخفض من هو عند الله كريم؟
[email protected]