ليس كل رحيل يقاس بعدد سنوات العمر، وإنما بما يتركه صاحبه من أثر في وطنه، وفي ذاكرة شعبه، وفي مسيرة أمته. وحين يرحل قائد ارتبط اسمه بمحطة مفصلية في تاريخ بلاده، فإن الحزن يتجاوز حدود الأشخاص ليغدو استذكارا لمرحلة كاملة صنعت كثيرا من ملامح الحاضر.
برحيل المغفور له بإذن الله تعالى صاحب السمو الأمير الوالد في قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تستحضر الذاكرة مرحلة شهدت فيها دولة قطر تحولات واسعة على مختلف الأصعدة، اتسمت ببناء المؤسسات، وتطوير البنية التحتية، والاستثمار في التعليم والبحث العلمي، وتعزيز حضور الدولة على الساحتين الإقليمية والدولية. وقد اختلف الناس في قراءاتهم للأحداث والسياسات، كما هو شأن الشخصيات العامة، لكنهم يتفقون على أن تلك المرحلة كانت محطة مؤثرة في تاريخ قطر الحديث.
لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تبنى بالمصادفة، وإنما بالرؤى التي تتحول إلى مؤسسات، وبالقرارات التي تتجاوز حاضرها لتصنع مستقبلا للأجيال. وعندما ينجح القائد في ترسيخ هذا النهج، فإن أثره يبقى حاضرا حتى بعد أن يغيب عن الدنيا.
ومن القيم التي تستحق التأمل أن انتقال المسؤوليات في دولة قطر جرى في إطار حافظ على استقرار الدولة واستمرار مؤسساتها، وهو ما يعكس أهمية البناء المؤسسي الذي يجعل الدول قادرة على مواصلة مسيرتها عبر تعاقب الأجيال.
وفي مثل هذه المواقف، تسمو الخلافات، وتتقدم القيم الإنسانية التي تدعو إلى الوفاء لمن خدم وطنه، والدعاء للراحل بالرحمة، ومواساة أهله وشعبه. فالموت يذكرنا بحقيقة واحدة لا يستثنى منها أحد، وهي أن الإنسان يرحل، بينما تبقى أعماله شاهدة له أو عليه.
نسأل الله تعالى أن يتغمد الراحل صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أسرته الكريمة والشعب القطري الشقيق جميل الصبر وحسن العزاء، وأن يديم على دولة قطر أمنها واستقرارها ورخاءها.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).