المجلات الأكاديمية طبعت لتقرأ، والبحوث العلمية وجدت لتنشر، وآخر ما توصل إليه العلماء والمفكرون بشتى المجالات من اكتشافات ونتائج حق أصيل للباحثين والراغبين في الاستفادة والاستزادة.
ما بين الحلم المأمول، والواقع المنشود، تتساقط الكثير من الآمال المعقودة، والرؤى المنشودة، والأهداف المرسومة، تحت أقدام مكاسب مادية، أو أغراض شخصية، وطموحات فردية.
وأحاول سبر أغوار موضوع البحوث العلمية والدراسات الأكاديمية والتي شابها الكثير من اللغط ما بين الكاتب والناشر، وما بين الناشر ومراكز الأبحاث، وما بين مراكز الأبحاث والباحث.
أحاديث ودردشات حصلت بيني وبين العديد من الدكاترة بشتى بقاع الأرض، وسأحاول الدمج بين ما قيل لي وبين ما قرأته في كتاب «الكتاب بين الأمس واليوم والغد» للكاتب: روبرت دارنتون، حيث وجدته أفرد مقالا جميلا يتحدث فيه بشكل دقيق عما يجري خلف كواليس المجلات العلمية الناشرة للأبحاث الأكاديمية. ويؤكد الكاتب أن الرسائل العلمية أصبحت مرتفعة الأكلاف إلى درجة لا يمكن إنتاجها. وتبلغ المصاعب حدا شديدا إلى درجة لا يمكن إنتاجها، حتى انها تبدو كسلالة مهددة بالزوال.
والسبب رفع الناشرين التجاريين أسعار المجلات، وخاصة العلوم الطبيعية، إلى درجة أنها تسببت بفوضى في ميزانيات مكتبات الأبحاث. ولتتمكن هذه المكتبات من المحافظة على مجموعاتها من المجلات، اضطرت إلى الحد بشكل كبير من اقتناء الرسائل العلمية. ونظرا لانخفاض طلب المكتبات، اضطرت دور النشر الجامعية للحد من نشر الرسائل العلمية في الحقول الأقل طلبا، مما أغلق الباب في وجه الأكاديميين الذين يودون نشر أبحاثهم فيها. وهذه الأزمة لها علاقة بحركة الأسواق وليس القيمة العلمية، ويؤكد أن تأثير هذه الأزمة ينعكس بشكل خاص على هؤلاء الأشد حاجة إلى تخطيها، ويقصد بهم الجيل الجديد من الأكاديميين الذين يتوقف مستقبلهم المهني على نشر أبحاثهم.
وضرب لنا الكاتب مثالا على ذلك الارتفاع الجنوني بالأسعار، حيث أصبح شرف النشر في المجلات الأغلى ثمنا لأهمية خاصة للتقدم المهني خاصة في العلوم المتقدمة. وتجد المكتبات الجامعية صعوبة بالغة في إلغاء هذه الاشتراكات، مما جعلها تتعايش معها عبر التضحية بعدم نشر الرسائل العلمية مقابل المحافظة على اشتراكاتها في المجلات العلمية، وحتى سنوات قريبة كانت الرسائل العلمية تشكل نصف ميزانية مقتنياتها على الأقل.
كذلك كانت دور النشر الجامعية تعتمد على بيع 800 نسخة من كل رسالة علمية للمكتبات. أما اليوم فالرقم وصل إلى 300 مما لا يكفي لتغطية التكاليف. وبالتالي لم يعد بإمكان دور النشر التأكد من بيع المكتبات كتبها التي كانت لا تستطيع مقاومتها سابقا. ومثال على ذلك فقد بيع المجلد الأول من «أوراق بنجامين فرانكلين» عام 1959م 8047 نسخة. أما المجلد 33 والذي نشر في 1997، فلم يبع منه سوى 753 نسخة.
وهذا الأمر جعل دور النشر الجامعية تنشر كميات أقل من الكتب الأكاديمية، وتركز إصداراتها على كتب تهتم بمواضيع محلية أكثر شعبية، مما جعل الباحثين يعترضون على هذا الأمر بحجة أن هناك الكثير من الرسائل العلمية غير المنشورة، وأن الكثير مثل القليل كما يقول المثل.
ويتهم النقاد الأساتذة بأنهم يكتبون لبعضهم بعضا بدل معالجة مواضيع تهم عامة المواطنين. ولا شك أنه بإمكان الرسائل العلمية التحول إلى مرض، إذ يبدو أنها تقتل اختصاصات محددة مثل النقد الأدبي، حيث تنفر الجعجعة والرمزية القراء العاديين.
ويسأل الكاتب سؤالا غاية في الأهمية فيقول: هل يمكن لمؤلف صاحب رسالة علمية قيمة مادة مهمة ولكن غير جذابة، أن يتوقع نشرها؟
يجيب: إذا سألت الأساتذة والناشرين فبلا شك ستصاب بالإحباط، فالعديد منهم يوردون قصصا حول رسائل علمية ممتازة كاسدة. فالمشهد الأكاديمي شديد التعقيد، لأنه إذا نظرنا إليه تجاريا فإن واقعه يبدو كئيبا. وبغض النظر إذا كانت دور نشر كاملة ستسقط أم لا، فهناك استنتاج واضح: لا شك أن الرسائل العلمية في خطر.
ويعود الخطر في ذلك على الأستاذ المساعد حيث إنه قد سمع هذه المقولة: «إذا لم تنشر، قضي عليك». والتي تترجم: إذا لم تنشر رسالتك العلمية فلن يتم تثبيتك كأستاذ. فمن الصعوبة بمكان لخريج جديد بدرجة الدكتوراه الحصول على وظيفة، ولكن هذا الأمر ليس سوى بداية الصعوبات.
لأنه إذا دخلت مكتب محرر في دار نشر جامعية، فسترى الأطروحات متراكمة أكواما، العشرات منها. وسيشرح متنهدا أن الدار لا يمكنها نشر سوى اثنتين أو ثلاث منها، مضيفا بتنهيدة أعمق بأن الدار تقع تحت ضغوط كبيرة من لجان التثبيت التي تريد رؤية كتب مطبوعة مترافقة مع مراجعات وتقارير القراء.
ويقدم الكاتب حلولا بأن تأخذ مؤسسات تجارية مثل «الأمازون» زمام الأمور، لأن الفضاء السيبراني مشابه للاقتصاد، أي أنه بحاجة إلى ضوابط، ولكن على الأكاديميين وضع معايير، لأنه عليهم تحديد فحص لجودة العالم الأكاديمي.
وبعيدا عن الحلم المثالي، قد تلائم الرسائل العلمية الإلكترونية حاجات المجتمع الأكاديمي عند نقاط تتركز فيها المشاكل. وقد توفر وسيلة منعزلة لتفحص المشاكل، وفتح فضاء جديد لتوسيع المعرفة. وعالم المعرفة يتغير بسرعة لا تسمح لأي شخص بتوقع كيف سيبدو بعد عشر سنوات من اليوم. ولكنني أعتقد أنه سيبقى ضمن مدار غيتنبرغ، ورغم أن المدار سيتمدد، فإن الشكر يعود إلى مصدر جديد للطاقة، الكتاب الإلكتروني، والذي سيعمل كإضافة وليس كبديل لآلة غيتنبرغ العظيمة.
أما ما دار مع بعض الأصدقاء، فهو قريب مما جاء سابقا، فالمجال واحد والهموم واحدة.
[email protected]