حديث عام مخصوص، وحديث مخصوص عام، أردت الحديث عنه سابقا ولكن كان التأجيل سيد الموقف، فليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يقال يصح أن يقال بالعلن.
***
حينما تنظر إلى التلفاز فترى ستيف جوبز بهندامه المعتاد المتواضع، وكنزته السوداء القاتمة، وجينزه «Levi’s» الأزرق الداكن، وهو من هو من حيث المكانة المرموقة، والمنصب العالي، فشركة أبل «Apple» لم تعرف ولم تصل إلى المكانة التي هي عليها لولا فكر ونظرة هذا الرجل، لذلك هو لا يحتاج لإثبات أنه يملك لأن الثروة عنده مفروغ منها.
***
وتنظر لرجل مليونير وقد فتح أزرار ثوبه، واضعا غترته على كتفه، ومطلقا شعر رأسه فلا يرتبه، وشعر ذقنه فلا يهندمه، المال عنده كثير، والخير عنده وفير، فهو لا يحتاج لإثبات أنه يملك، لأنه تجاوز مرحلة الإثبات.
***
وتنظر لآخر قد نال الدرجات العليا من التعليم، فهو أستاذ دكتور في مجاله، ولكنه لا يبدو عليه أنه أستاذ بالكلية، ولا دكتور بالجامعة، فلا المظهر يدل على ذلك، ولا طريقة حديثه تدل على ذلك، مع ذلك هو يرى نفسه أنه لا يحتاج لإثبات أنه يعلم، لأن رأس المال الثقافي عنده مقدم على المظهر الخادع.
***
وفي المقابل تجد أناسا يلبسون أحسن اللباس، ويتطيبون أطيب العطور، ويجيدون انتقاء أجود الكلام، ولكن حالهم ليس كذلك … يهتمون بالمظهر لأن الجوهر ناقص، ويهتمون بالشكليات لأن الأساسيات مفقودة، يتحدثون كثيرا لأنهم تركوا الجوهر وركزوا على القشور. يطلق على سلوك هؤلاء اسم «الاستهلاك التباهي» كما ذكر ذلك عالم الاجتماع ثورستن فيبلن.
***
هناك دراسة حديثة عنوانها الاستهلاك الخفي (Inconspicuous Consumption) رصدت فيها البروفيسورة Giana Eckhardt تحولا كبيرا حيث صارت النخبة تميل إلى الاستهلاك المتخفي، بدل الماركات الظاهرة، فهي تنتقل من استهلاك الظاهر إلى الاستهلاك الخفي، لأنهم لم يعودوا بحاجة لإثبات أي شيء.
***
لذلك تقول الكاتبة Elizabeth Currid-Halkett إن الأغنياء صاروا يصرفون على «الاستهلاك الخفي» أكثر من غيرهم فتجدهم يسافرون لأماكن غير معروفة لكنها تحمل قيمة تاريخية، ويشترون أكلا صحيا مختلفا، ويلبسون ملابس غالية بدون لوقو تسمى Quiet Luxury.
***
ما بين طبقة لا تحتاج لإثبات أنها تملك، وطبقة تحت الضغط المجتمعي تحاول إظهار أنها تملك، تهدر الكثير من الأموال، وتضيع الكثير من الأوقات، وتنتعش الكثير من الأرصدة.
[email protected]