يقول: عملت في مؤسسات اجتماعية كثيرة، وتعاملت مع العديد من النزلاء، منهم من فئة (ذوي الاحتياجات الخاصة - معاقين - مسنين، أحداث، أبناء مجهولي الوالدين ونزلاء من فئة التخلف العقلي) واكتسبت العديد من الخبرات المهنية، وبلغت مراحل متقدمة في إتقان مهارات التعامل مع مثل هذه الفئات، إلا أن العمل مع فئة الأحداث المنحرفين كان مختلفاً.
يكمل: أحد أهم جوانب هذا الاختلاف، أن تلعب دور الأب البديل أو دور الأخ المصطنع لهذا النزيل أو ذاك. بالإضافة للدور المهني الرئيس وهو اختصاصي اجتماعي.
ثم يستطرد: دخلت يوماً إحدى الدور التي تأوي الأبناء المحكومين لتفقد العمل كعادتي، وإذ بأحد النزلاء يجلس وحيداً في إحدى زوايا المكان تاركاً زملاءه - كعادتهم- يسمرون، منهم من يلعب (البلياردو) وآخرون (تنس الطاولة)، وهناك مجموعة أخرى اعتادت التجمع في ديوانية الدار لتبادل الأحاديث، ألقيت عليهم التحية وردوا علي بأحسن منها ممتزجة بعبارات «الغشمرة» المعتادة بيني وبينهم متجاهلاً - عمداً- ذلك النزيل المنزوي جانباً في أحد أركان الدار، لم أخف في نفسي تلهفي لمعرفة أسباب عزلته الطارئة.
ويضيف: بداية لم أجد منه أي رد فعل عند دخولي عليهم، ظل مطأطئ الرأس، حزيناً، شاحب الوجه، تعباً، اعتاد النزلاء من خلال هذا الموقف المشابه لموقف هذا النزيل أن يرسلوا لنا برسائل غير لفظية منها (ليش ما تسألني.. شفيك؟).
استمررت بتجاهله بقصد أن يبادر هو في دعوتي لخدمته، لكن يبدو أن كبرياءه حال دون ذلك، حاولت حينها أن أستشف من زملائه سبب عزلته لكن لم أوفق!
ختم حديثه قائلاً: «ما أبي أطول عليك» في نهاية زيارتي لهذه الدار أجبرني دوري الوظيفي على التقرب منه والسؤال عن سبب هذه العزلة، فلم يبد أي تجاوب معي كعادة أمثاله ممن تصدمهم ظروف قاسية مفاجئة تعمق آلامهم وتزيد من حزنهم.
وبحكم طبيعة عملي وخبرتي نجحت في دعوته للجلسة الأولى بدعوته لمكتبي وإجراء ما يسمى بالتنفيس الوجداني القائم على مهارات مهنية فنية فائقة الدقة ليتبين حينها أن سبب عزلته وحزنه هو تلقيه خبر وفاة أخيه في حادث سيارة، أخطره به أحد العاملين في الدار بحكم جيرته لمنزل والده.
وما زاد من ألمه عدم التمكن من المشاركة في تشييع جثمان أخيه مع بقية أفراد الأسرة، وتقديم التعازي لوالديه. وهنا تضاعفت جهود عملي المهني فاحتل البعد الإنساني الصدارة ليفرض علي القيام بدور الأب والأخ والأسرة البديلة لمشاركته آلامه وأحزانه، وأدركت حينها أن عقوبته قد تضاعفت حزناً وألماً بفقد أخيه وحرمانه من مشاركة أسرته مصابها الجلل.
وتبقى المشاعر الإنسانية هي الأسمى دوماً.