تتصاعد بين الحين والآخر حملات تشهير تستهدف استقرار المملكة المغربية، في ظل تنامي وتيرة التقدم والتنمية التي يشهدها هذا البلد على مختلف الأصعدة والمجالات. فقد شهد المغرب، خلال العقدين الماضيين، طفرات من التطور والنمو، أسهمت فيها مجموعة من العوامل الداخلية، وفي مقدمتها الاستقرار الذي تنعم به المملكة، إلى جانب موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يجعل منها بوابة بين إفريقيا وأوروبا، عبر مضيق جبل طارق.
ولأن المغرب، شأنه شأن غالبية الدول، يمر بمراحل متواصلة من التغيير والتحول، فإن الحفاظ على الاستقرار وتعزيزه يظل مرتبطا بجملة من العوامل، من بينها ريادة إدارة الدولة، وكفاءة الهيئات المنتخبة، وجدية جمعيات المجتمع المدني، ومصداقية النقابات، ونجاعة مراكز الفكر والدراسات.
وليس ما حدث خلال مظاهرات حركة «جيل Z» في أواخر سبتمبر 2025، وما رافق عملية الهجرة الجماعية إلى سبتة في أواخر يوليوز 2026، ببعيد عن ذاكرة المتابع. فقد كشفت هذه الأحداث عن مجموعة من التحديات الاجتماعية التي تتطلب معالجة جادة، وفي مقدمتها البطالة، وضعف الأجور، وتراجع جودة بعض الخدمات.
ومن أجل معالجة هذه الإشكالات، يتعين على الحكومة الجديدة، التي أفرزتها صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية الأخيرة، العمل على توفير فرص العمل، والرفع من الأجور، والحد من ارتفاع أسعار المواد الأساسية، فضلا عن تجويد الخدمات المقدمة للمواطنين داخل مؤسسات الدولة.
أما على مستوى الشأن الخارجي، فإن المغرب، وبالرغم من سياسته الخارجية القائمة على الوضوح والتعاون البناء مع مختلف الشركاء، بات يحظى بحضور متزايد على المستويين الإقليمي والدولي. وقد يؤدي تنامي هذا الحضور إلى بروز منافسة من دول تختلف مواقفها تجاه المغرب باختلاف مصالحها وحساباتها الاستراتيجية. فبعض الدول تربطها بالمغرب علاقات تنافس أو خلافات معلنة، فيما تحكم علاقات أخرى اعتبارات التعاون والشراكة، مع استمرار التباين في المواقف بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية السياسة الخارجية المغربية القائمة على تنويع الشراكات وتعزيز التحالفات الاستراتيجية، بما يتيح للمملكة توسيع هامش حركتها والدفاع عن مصالحها الوطنية.
وليس المغرب اليوم هو مغرب الأمس، فالمغرب الذي حقق خلال السنوات الأخيرة مكاسب ديبلوماسية، وأطلق مشاريع استراتيجية، وعزز حضوره في محيطه الإفريقي والدولي، أصبح أكثر حضورا وتأثيرا.
ولكي يصبح المغرب أكثر قوة وتأثيرا، فإن عليه، في نظرنا، أن يجعل ثمار الاستقرار والتنمية محسوسة بصورة أكبر في الحياة اليومية للمواطنين. فاستقرار الدول لا يقاس فقط بقدرتها على مواجهة التحديات الخارجية، وإنما أيضا بمدى انعكاس هذا الاستقرار على مستوى معيشة المواطنين، وعلى جودة الخدمات، وتوفير فرص العمل، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وكلما ارتفع سقف طموح الدولة، ارتفع معه سقف انتظارات المجتمع. وبين طموح الدولة وتطلعات المواطنين تتشكل ملامح مستقبل المغرب المشرق.