الليل يفرّ سواده من نهار الثّوار
ذابت «عروس المولد» وتكاثر الذباب
النصر لا يأتي على فراش وثير
التغيير الحقيقي لا يكمن في إلغاء حسني مبارك بل في تغيير الثقافات السائدة وتنظيف العقول
سيدي الرئيس حسني مبارك بلسانك أعتذر لك منك مصر لا تبيع للنهار شمسها..
ولا لليل تبيع أقمارها..
ولا تنثر في السماء نجماتها..
هي الشمس تتحلى بمصر..
تتقلد سماءها..
تسمع نشيد الثوار..
ترسم ـ من خضرة الأرض ـ نهارها..
ترشف من نيلها بعض رحيقه..
عطشى تستقي..
تستقي ولا ترتوي..
وهو النهار يستعير شمسه المصرية كل صبح..
والليل يفر - خوفا على سواده - من نهار يرسمه الثوار..
يكتبونه على جبين صبح سحبوه من جوف الظلام..
والنجمات تزحف إلى سمائها.. تستعيد شيئا من بريقها المسروق..
من نيلها الذي أكلته الضباع النهمة..
الضلوع المسروقة
كم زيفوا الثورات..
وكم سرقوها..
وكم تحلّوا بدماء الشهداء..
ثم باعوا ضلوعهم في سوق العظام المسروقة..
كم صيروا النعاج الممأمئات أبطالا..
وكم انحنوا لهم بذلة الانكسار..
وكم رفعوا هامة الخزي..
وأهانوا هامات المجد..
وأودعوا الأبطال خزائن النسيان..
مات الجميع وبقي البطل..
كل غادر الميدان بجراحه..
وببقايا حزن مكتوبة على لوح مهجور..
حتى غشي الصبح سواد الدنيا.. وشق سماءها عن شيء بكر..
عن صباح لا ضحى له..
الأرض أمّ الثوار
كل اليوم صار نهارا.. حين شق الثوار ديجور الصمت..
حتى الليل بات يهجع باكرا..
وكبّر المكبر.. وأذّن المؤذن..
وماست نخلات النيل في صلاة ممدودة..
وخرجت الصبايا باكرات من بطون بيوتهن.. يطلين فجر الثورة بخدودهن..
يقبلن الأرض.. أمّ الثوار..
يحلبن ناقات الصبر الطويلة الانتظار..
رحل الحاسد وسما المحسود..
انكسر القوي.. وتصلب الضعيف..
خوت العروش..وخلت القصور..
ونفد زيت السراجات حتى انكفأت.. ثم انطفأت..
صمت الطبل.. وخرس المزمار..
وامتلأ الميدان..
وقضي الأمر..
وكتب النصر للثوار..
مطاردو الذباب
فيا أيها الثوار صونوا ثورتكم من السرقة ومن السرّاق..
سرّاق الثورات ولصوصها.. أكثر عددا من المتسولين ومن مطاردي الذباب.. ونافخي المزامير في الأعياد.
من يكتب النهايات السعيدة
الأيدي المرتعشة لا تكتب النهايات السعيدة.. والأيدي الضعيفة لا تقوى على حمل رايات النصر..
والأقدام الخائرة لا تكمل مشوار النصر..
والصدور الضيقة لا تحتمل بشارات الثورة..
والعيون الرمداء لا تتحمل وهج الثورة..
والآذان الصماء لا تسمع طبول الثورة حين تهدر هدير الطوفان..
وللخيول أقدام من سيوف رهيفة تنهب الزمن ولا تتوقف..
وأولئك هم الثوار..
الآيل للصبر
حطب الثورة اشتعل وأخرج للثوار خبزها الطازج..
ونوق الصبر سكبت حليبها السائغ في أفواههم..
والنخلات ساقطت عليهم رطبها الجني..
والنيل مازال يغني مواله القديم..
ويرج مياهه..مجذاف مراكبي عجوز.. سفّان، مجدولة ـ بحبال الصبر ـ سفينته.. ومن فِيه الخالي تخرج أغنية تائهة تسبح في النيل تحاذي مركبه الآيل للصبر..
ودقت الندابات صدورهن بأيديهن مولولات.. «ياخرابي»..
يلملمن بقايا الفرح البائد..
وذابت «عروسة المولد».. وتكاثر الذباب يلعق سكرها المغشوش..
والمشهد يتسع في الميدان الواسع..
واللاهثون الى النصر يتقاطرون عليه من كل فج بعيد..ومن كل حدب قصي..ومن كل صوب لا يطيق الصبر..
ومن كل صدر ضاق بالصمت..
والأفواه مازالت تنادي الفجر بإصرار ثابت..
وكلما انسحبت شمس حلت مكانها شمس جديدة..
إنه عيد الشموس.. وتزاوج الأقمار.. وتراقص النجمات..
النصر.. لا يأتي على فراش وثير..ولا تأتي به الأيدي الناعمة..ولا تحمله الأكتاف الرخوة..
تأتي به أيدٍ جرحها الشوك..وامتلأت أكفها بالجمر..وأكتاف حملت قبله سنوات عجافا..
إنها فضيلة النار التي تنضج أكلها..
وإني لكاتبها..
«الحجاج» مازال في القصر
ويا أيها الثوار «.. الحجاج» مازال في القصر..له لحية طويلة وخرافة تتزوج الليل والأحلام وتنجب بنات من الجن يطرن في الآفاق.. رسولات لأمهن الخرافة وخليلها «الحجاج»..
فلا تتركوا «الحجاج».. يعيث في العقول الصالحات فسادا..
طاردوه حيثما كان.. واقتلوا في حضنه بنات الجن وأمهن الخرافة..
إنكم ـ يأيها الثوار ـ قد كتبتم الحروف الأولى من عمر ثورتكم..
كل ما فعلتم انكم غسلتم ملابس العروس وجهزتموها لليل العرس..
وثورتكم ـ مازالت ـ في صبحها الباكر..
أصنام الأوهام كثيرة..فأعدوا فؤوسكم لتكسيرها..
إن الصنم الكبير مازال حيا يتنشق هواءكم.. ويطحن أرغفتكم..
فاحفظوا رغيفكم..وعطّروا هواءكم وافتحوا للشمس بابا.. وللصوص وسعوا أبواب السجون..
إن ثورتكم وليدة.. طرية العظم ـ مازالت ـ..
أسنانها ـ أسنانا لبنية ــ مازالت.. لينة لا تقدر على جرش عظام الحيتان المفترسة..
ونواياكم بيضاء طاهرة.. وليت البلدان تبنى بالنوايا البيضاء الطاهرة..
ولكن - ويا للأسف - فإن البلدان لا تبنى بالنوايا البيضاء الطاهرة..
إن لم تحصد ثورتكم خرافات العقول في فاسدات الرؤوس فإنها ستذهب هباء مع أول هبة ريح..
فلا طبتم ـ عندها ـ ولا طابت بلادكم ولا طاب ناسكم الذين افترشتم شوك الميدان ونمتم عليه من أجلهم..
ولراحت دماء شهدائكم هدرا وبكوا حزانى في قبورهم على ثورة باعوا لها دماءهم بثمن بخس..
إن التغيير لا يكمن في إلقاء حسني مبارك وصاحبته وبنيه في المجهول وطيّ صفحتهم.. ولا في مصادرة أموال أحمد عز ولا في صَلْب صفوت الشريف ولا في حبس فتحي سرور و«توسيخ» نظيف.. ولا في الطوَفان بأركان الفساد في شوارع المحروسة مرصوصين في أقفاص القردة.. إن التغيير لا يقتصر على تغيير الوجوه والأسماء والرتب.. بل هو في تغيير الثقافات السائدة وفي تنظيف العقول مما علق بها من شوائب التخلف منذ هدمت أركان الملكية المباركة في يوليو 1952 وعندما تسلق لصوص الثورات أسوار مصر وساموها أنواع العذاب..
ودعوكم من أولئك المطنطنين طنين الذباب والغائبين عن العصر من أوباش عصور الظلام والوثنية والعبّاد في محراب العروبة الهالكة والداعين إلى الانسلاخ عن العصر ومعاداة دول العقل والعلم والمنطق ومصدري النور إلى العيون الهاربة من دنيا الظلام..
إن مصر قادت حركة التنوير في المشرق العربي المظلم منذ جاءها نامليار بجنده ومطبعته ولحيته المكتراة ـ «لأمر كان يطلبه» ـ .. فأخذ أجدادكم مطبعته وركلوا جنده.. ومنذ ذلك التاريخ القديم أخذت بلادكم ترسل إلى سماء المشرق وهج التنوير لتراه أعين الشرق بكل ما تملك من بصر يُعينها على رؤيته..
ومسؤوليتكم اليوم أيها النجباء.. أن تعيدوا مصر إلى حضنها..
أن تعيدوا صواب مصر الضال في صحراء العروبة والأحلام منذ ستين عاما إلى رأسها..
أن تعيدوا إلى مصر رصيفها النظيف.. وشارعها المغسول.. وإنسانها المهندم..
أن تعيدوا إلى الأرض خضرتها.. وإلى النيل زرقته.. وإلى القطن بياضه.. وإلى البرتقالة المصرية ماءها الثري..
أن تعيدوا للشيخ «محمد عبده» بشاشته وسماحته وتفتحه..
وأن تعيدوا للطهطاوي «إبريزه» المسكوب على أرضكم والجاري في نهركم..
أن تعيدوا لـ «أحمد شوقي» قوافيه و«كرامته» المغروسة على نيلكم..
وأن تعيدوا لـ «طه حسين» عمادته.. ولـ «العقاد» عبقرياته المنثورة..
ولـ «أم كلثوم» حنجرتها التي اغتالها زمن من أزمنة البطش القريب وأن تعيدوا لـ «الريحاني» حزنه الضاحك..
بريق السيوف
لا تغمدوا سيوفكم بعد ولا تصرفوا خيولكم إلى مهاجعها..
ولا تطفئوا حطب الثورة.. دعوه مشتعلا وزيدوه زيتا..
إن النار آكلة لا محالة حطبها..
لا تخذلوا شهداءكم.. ولا تبخسوا دماءهم أثمانها..
من يقد مصر.. يقد نصف العالم..
أعتذر عنك منك
سيدي الرئيس «حسني مبارك»..
بلسانك أعتذر لك منك..
وبلساني وما تخط يميني أعتذر عنك..
سيدي الرئيس..
كنت أراك ـ بعقلي ـ حكيما وما أخطأت في ظني..
وكنت أراك ـ بعيني ـ وطنيا وما أخطأت عيني..
أما حكمتك فأجدها قد تجلت حين تسلمت مقاليد مصر وكانت نارا ودخانا أسود ورمادا يتطاير من جثث آدمية.. وشوارع مليئة بالدم وبالخوف وبقلوب تتطاير فزعا.. فالرئيس قد صرع في يوم عيده وهو في أبهى زينته وقمة نشوته.. وطارت دماؤه تلف محيطنا العربي بين شامت ووجل متبصر..
كان سلفك السادات، رحمه الله، قد قطع الجسور مع أهله الأقربين ـ المصريين ـ وأودع نخبهم السجون وشتم بعضا وشتت بعضا آخر، وقطعها مع أهله الأبعدين ـ العرب ـ وعايرهم بدفتر وقلم علمت بهما مصر العرب في جاهليتهم وفقرهم.. ولم يترك ـ رحمه الله ـ من سهم إلا وصوبه إلى صدورهم، حتى أغلقت السفارات العربية أبوابها وما عادت أعلامها ترفرف في سماء مصر الا ثلاثا منها..
فجئت يا سيدي ورممت الجسد المصري باطنه وظاهره وأطلقت المسجونين.. وأزلت الركام من الشارع المصري.. وداويت الجراح.. ثم التفت إلى إخوانك العرب شركائك في حروب مصر وسعيت إليهم بقلب مفتوح وصدر لا يضيق بعتب المحبين.. وعادت أعلامهم ترفرف في سماء مصر..وانطوت صفحات ومزقت.. وانفتحت صفحات ليس فيها من سوء..
وحين دهم الغازي بلادي.. كنت ـ يا سيدي ـ على رأس قافلة أصحاب الحق.. فكان منك ومن بلادك الخير كله.. وليس ذلك بغريب.
أما وطنيتك فلم تكن خيالا تخيلته ولا رواية رويت وكنت سامعها.. بل إني ـ وربي ـ شاهدها وشاهد عليها وأنا أرى في عهدك «أمصارا» كثيرة قد بنيت.. من ساحلها الشمالي الذي كانت تسكنه عفاريت الليل.. إلى سيناء الطاعنة قلب الاحتلال لتتحول في عهدك عروسا تكاثر خاطبوها..
وفسحة الحريات في عهدك شهدتها وشهدت لها بضمير لا يخنس..
سيدي الرئيس..
أنسج لك على هذا المنوال الإنساني خياما لا تبليها الأزمنة ولا تقتلعها الأعاصير.. وأعلق معلقات من كلام مذهب لا رياء ـ يا سيدي ـ ولكنه صدق الرجولة.. إن خانت الرجالَ شجاعتُهم..
ولكن يا سيدي ـ أقول ولست فيما أقول آثما ولا زنديقا ـ إنني لست من أهل مصر الأعرف بشعابها..
لم يحفر جدي قناة السويس.. ولم يشارك أبي في ثورة عرابي.. ولم تخرج أمي في صف هدى شعراوي..
لم أرضع في ـ مهدي ـ النبل.. ولم تؤرجحني ـ في الغيط ـ أمي..
ولكن يا سيدي هواي مصري.. ونصف قلبي وجدته مزروعا تحت نخلة مصرية..
أذني مصرية.. وعيني أختها..
لذلك فإني أدخل باستحياء عليك يا سيدي مستأذنا بأن تبيح لي بالبوح الحميد غير الشامت..
لا أستطيع أن أكذّب أهل مصر جميعا وأصدقك..
ولا أستطيع أيضا.. ولا ضميري بقادر أن يتقبل رئيسا لجمهورية لمدة ثلاثين عاما.. قابلة للتجديد أو التوريث..
ولست أتقبل أن تتحول البلاد «عزبة للولاد» يتقاسمونها مع أمهم.. وكأنما مصر.. قد غدت ضيعة في حرف واد.. أو كأنها قد خلت من أناس لهم حق الحياة ليس كمثلك أو كمثل أولادك المحروسين وأمهم ولكن كما يعيش بقية خلق الله.. لهم حق الحياة من طعام وملبس ومشرب وتعليم وطبابة..
إن بلادك هي ليست شلة القارعين طبول مجدك كل صباح ممن وزّرتهم أو حزّبتهم أو أقعدتهم مقاعد لا تقربها النار.. يغرفون قناطير الذهب ويلهبون ظهور الجياع..
ليس لمصري فضل على مصري.. فلم جعلت أبناءك خير المصريين؟
ولماذا صيرت أمهم.. أما ـ غير عادلة ـ للمصريين..
لماذا يجوع المصريون وتشبع جيادك؟
لماذا تنهش كلاب حراستك جلود المصريين من عابري السبيل؟
ولماذا تتوزع أرض مصر بين الضالين والمضللين.. يتحكمون بأرزاقها ويحولونها ذهبا رنانا على صدور زوجاتهم وخليلاتهم..
سيدي الرئيس..
لقد كشفت الغطاء الساتر بيدك.. ودعوت الناس ليشهدوا الفضيحة.. وتعرت أمام الأعين الأجساد..وطفق كل يبحث عن ساتر لعورته.. ولكن عزّت السواتر.. وأقفل سوقها..
فهلا بحثت عن ساتر يسترك..
قلبي معك..
[email protected]