في بلادنا الرصيف غير الملون يعني أن تحصل على مخالفة حال وقوفك بجانبه
لماذا تهددنا الحكومة في حال لم نستكمل التعداد السكاني؟
رجل التعداد أيام «حبابة» أفضل من رجل تعداد الحكومة الحالية
هل يحق للشرطي أن يستوقفك ليلاً ويسألك «من وين جاي»؟«حمزة الخطيب».. فتى كان في صبحه الأول..
يكدح في حقل عمره.. يبذر أرض عمره ويسقيها..
يزرع في ذلك العمر الصغير..
كان كأترابه يُعدّ لغده..
إن الصغار يكبرون.. وصغير اليوم.. كبير في غد الدنيا..
وإن الغد لأيام متناسلات من نهارات وليال..
ولكل منها عدته..
فاملأ يا «حمزةُ» زوّادة يومك لغدك.. وربما لغد دنيا هي ليست لك..
ولكل غد حقله..
ولكل حقل.. عرَقُه الشريف..
فانزع عن عينيك يا «حمزة» نعاس الليل المسحوب..
صلّ ركعة الصبح.. واعدُ في حقلك الصغير.. واستقبل صبح «درعا».. وأقرئها السلام..
***
ولكنك ملأت زوّادتك بالماء والزاد لإطعام اللائذين حذر الموت.. حين خرج عليك المردة الغلاظ المارقون..تقدح ألسنتهم نارا وأي نار كانت تلك النار..
نار حارقة ماحقة ساحقة سارقة.. فتّتت منك الكبد العطشى..
وسلخت جلدك ومزقت عظمك.. وسرقت رجولتك.. أو ظن مشعلوها أنهم فعلوا ذلك وكأنهم يقولون يا «حمزة» كن عقيما..كن أبتر.. ليشنأ الشانئون..
يا «حمزة».. إنّا نقتل نسلك في صلبك..نئدهم نُطفا لم تستوِ أعوادا.. ولم تُكسَ لحما..
إنّ الأرض لنا..
وإن روحك قيد أيدينا..
وإن جسدك ملعبنا..
نحن المردة آكلي النار..
***
تحلّقوا حوله.. وعذّبوه..
كووه بألسنة النار في أفواههم..
وشحذوا سكاكينهم.. واستعانوا بالشيطان.. فشطروا ناهض رجولته..
ثم كان الذبح فذبحوه..
وبعد الذبح.. سلخوه..
***
يا حمزةُ الشهيدُ..
ربك.. «خلقك فسوّاك فعدلك»..
فمن ذا الذي قتلك..
ومثّل بك وشوّهك..
وبأيّ ذنبٍ.. كان مقتلك؟
ومن ذا الذي.. أغمد سيفه في كبدك..
من قتلك؟
ويلٌ.. لمن قتلك..
الجنة لك..
والنارُ، لمن قتلك..
***
طَوّقتْ دماك قاتليك..
شرِق بها..من قتلك..
العار لمن قتلك..
***
«وحشيٌ» عادْ..
إلى المزادْ..
ورمحه..معلّقٌ في كبدك..
ويله..إذ قتلك..
***
و«هندٌ» في سوق الكبود..
تبتاع كبدا..
فاشترت ـ بلا ثمن ـ كبدك..
***
ويل لـ «وحشيّ» إذ رماك..
في كبدك..
ويل له إذ قتلك..
***
مُتَّ يا «حمزةُ» الشهيدُ..
هنيئا للحور..
أنْ يكنّ لك..
***
دماك في رقابهم عارٌ..
تخضّب من دمك..
ويل لغادر غدرك..
أسماؤهم..
ليلٌ..
ظلامٌ..
عارٌ..
نارٌ..
قتلٌ..
خزيٌ..
غدرٌ..
ويل لليلٍ غدرك..
***
رماحهم..
حقدٌ يسودُ..
إلى حينٍ..
وأنت السيّدُ على من قتلك..
***
ما أطهرَ ثراك.. يا «حمزةُ» المغدورُ..
دعني أقبّله..
أو أبنِ لي منه دارا..
ما أطهر دارا.. ترابها قد لامسك..
***
حكومة «دولة الكويت وضواحيها»
أعتقد.. بل أجزم وأوقن بأن «حكومة دولة الكويت وضواحيها» هي الحكومة الوحيدة في العالم التي تعاقب الناس بلا ذنب أذنبوه وبلا جريمة اقترفوها.. وحتى دون مخالفة خالفوها..
وهو ما يعرف في علم الاقتصاد الحديث بـ «الدفع المسبق».. أي العقاب الذي يسبق الجريمة وهو مثل «الهدوء الذي يسبق العاصفة»..
«حكومة دولة الكويت وضواحيها» تفترض أن كل إنسان عرضة للخطأ.. وهو تفكير حكيم وسليم وقويم..لا شائبة تشوبه ولا مثلبة تثلبه ولا ثلمة تثلمه..
وهي في الوقت ذاته.. مثل الذي يلجأ لجباية «الجزية» قبل التأكد من ديانة دافعها..
ومن طرائف الحكومة إيّاها معي - وطرائفها كثيرة لا تُعدّ ولا تُحصىَ أنني في ليلة ليلاء.. كالحة سوداء.. قمرها ابتلعه حوت السماء.. ونجومها داهمات سارحات سوداوات.. كأنهن مطلّقات يقضين بقيّة عدتهن..
في تلك الليلة كنت أمضي في سبيلي إلى بيتي.. فإذا بسيارة شرطة - وما إن رأتني - حتى استدارت سريعا وفورا وتوّا.. ولحقتني وأخرج الشرطي الجالس بجانب الشرطي السائق نصف جسده من نافذة السيارة يشير إلي بالتوقف وبحركات عصبية متوترة.. فتوقفت سريعا وفورا وتوّا.. وجلست أنتظر حماة الأمن..
***
طال انتظاري وأنا جالس ـ مرتعدا مرتجفا ـ أنتظر قدومهما المبارك.. وبعد حين من الدهر تفضّلا ونزلا من سيارتهما وأقبلا عليّ مزمجرين محمجرين يقدحان شررا.. وينظران شذرا.. وتحدث إليّ أحدهما بلسان غليظ سائلا إياي.. ولا أحد سواي: ليش ما نزلت؟ قلت المفترض وحسب القانون والدواعي الأمنية و«الأفلام الأميركية» أن أبقى في سيارتي وحضراتكم تتفضلان علي وتشرفاني.. فلم يعر كلامي اهتماما.. وأشار بيد آمرة ناهية زاجرة.. قائلا: عبارته الخالدة التي طارت مثلا «..الدفتر والإجازة».. فناولته إياهما.. وأيضا لم يعرهما اهتماما وكل ما قاله «من وين جاي» استغربت سؤاله وتذكرت «ديموقراطيتنا» وتمسكت بـ «حقوقي الدستورية» رغم أن الدستور حينها كان معلقا والديموقراطية كانت في إجازة دورية وأجبته بسؤال «ليش تبي تعرف وجهة قدومي ومضائي» قال: أنا أسأل وأنت تجيب فقط.. رفضت الإجابة طبعا.. لا لشيء إلا لأنه ليس من حقه أن يسألني مثل هذا السؤال..ثم فجّر قنبلة أشدّ وقعا من قنبلتي «ناغازاكي وهيروشيما» وذلك حين قال «ما تدري إنه ممنوع التجوّل»!
قوية.. قوية جدا! ممنوع التجوّل.. خير شصاير بالديرة كنت أتابع التلفزيون حتى ختام برامجه - قبل عصر الفضائيات والبث المتواصل - ولم أسمع بمثل هذا القرار قرار منع التجول.. أردفت: متى أخوي صدر هذا القرار؟ قال: من زمان.. كل ليلة ممنوع التجوّل ثم أضاف سيادته: اتبعنا إلى المخفر.. قلت له متسائلا: ولماذا وما هو الذنب الذي اقترفته حتى أذهب إلى المخفر؟! أجاب بروح طيبة - وكعادة رجال الأمن البشوشين: مالك شغل.. تعال المخفر وهناك ستعرف..
***
عندها عرفت أن صاحبي يشكو من خلل تراكمي وتراكم خللي.. قلت له الإجازة والدفتر عندك ولن أذهب معك إلى المخفر وإذا كنت محل شبهة فصفّدني وقدني إلى حيث شئت، أما أني أذهب معك هكذا دون جريرة فلن أفعل.. ولما وهنت حجته وبهت برهانه لم يجد بدا من الانصراف.. مصحوبا بالسلامة وبـ «الإجازة والدفتر»..
***
والشرطي بالشرطي يُذكر.. ففي قصة أخرى من قصصي مع حكومتنا الرشيدة الفريدة ورجالها الساهرين على أمن البلاد وراحة العباد.. أوقفت سيارتي ذات يوم في أحد المواقف القانونية.. وحسب ما علّمونا ولقّنونا فإن الرصيف الملوّن بالأسود والأصفر يعني أن الوقوف ممنوع.. أما الرصيف المقلّم بالأبيض والأسود فيعني أن «الجو بديع والدنيا ربيع» وأن الوقوف مسموح حتى قيام الساعة أو زوال «أحمدي نجاد» أيهما أقرب.. ولكنهم لم يعلمونا ماذا عن الرصيف المسكين الشبيه بـ «اليتيم على مائدة اللئيم» الذي نسوه ولم يلوّنوه.. ماذا عنه وما هو «موقفه» القانوني؟
وجاء حظي مع هذا الرصيف المهمل الأجرد المجرّد من كل لون فلا هو بالأسود ولا الأصفر ولا الأبيض.. إذن فهو رصيف «ماله والي».. هربت منه الألوان وبالتالي حقّ للعباد استخدامه دون قيد أو شرط.. فقلت في قرارة نفسي جاء الفرج فأوقفت راحلتي عنده ونزلت لدقائق أتبضّع وما إن عدت إلى سيارتي حتى وجدت ورقة مخالفة تنام وادعة على الزجاج الأمامي للسيارة..
واعتقدت أنه من حسن حظي أن الشرطي مازال موجودا.. حتى ثبت العكس.. فلقد سعيت إليه سائلا مستفسرا عن سبب مخالفتي وأنا الذي لم أقترف ذنبا ولم آت خطيئة مرورية..
فخاطبني بصورة خلته معها أنه «شوارزكوف» قائد جيوش تحرير الكويت - لاسيّما أنه أوتي كنوزا من العافية لا تنفد حتى بعد نفاد المخزون النفطي الكويتي.. وأنه وثلاثة من حجمه يشكلون «السد العالي» المصري أو «حائط الصد العنصري» الذي أقامته اسرائيل لمنع تسلل الفلسطينيين.
خاطبني بنفس كبيرة متعالية ملقيا عليّ بمعلومة جديدة لم يسبق لحكومتنا أن علّمتنا إياها من ذي قبل..قائلا إن هذا الرصيف الأجرد المجرد اليتيم هو أشد «مخالفة» من ذلك الأصفر والأسود!
«معلومة بيضاء تنفع في الأيام السوداء»..
شرطي يقرر منع التجوّل وآخر يقرر أن الرصيف الأجرد ضار بوقوف السيارات.. وهكذا دواليك وحواليك «..وزور ابن الزرزور الذي ذبح بقة وترس سبعة جدور»..
و«ياحبّابة حازينا»..
وكله جائز في الكويت وفي ظل حكومتها الرشيدة الفريدة..
***
وأيضا كل ما سبق ليس هو بيت القصيد.. إنما بيت القصيد الذي أنشأت له ومن أجله هذه المقالة هو قرار حكومتنا بمعاقبتنا على ذنب جديد لم ولن نقترفه حتى لو أردنا اقترافه.. وهو تهديدنا والتوعد بعقابنا إن لم ننجز التعداد السكاني.. وكأن التعداد السكاني تطعيم ضد الأوبئة والأمراض السارية.. فرض عين على كل من وطئت قدماه أرض البلاد التي تحكمها حكومتنا الرشيدة.. أو كأنه قرار فردي يتخذه المرء وينفذه وحيدا دون «حسّابة تحسب ومسجلة تسجل» وبيانات ملقاة على عواهنها وكواهنها واستخراج من كوامنها..
في التعدادات أيام «حبّابة» كان المسجل الإحصائي يطرق باب البيت ويخبر ساكنيه عن موعد زيارته القادمة معطيا إياهم كشفا بالأوراق والبيانات المطلوبة.. وفي اليوم الموعود يطرق الباب صباحا ويفطر مع أهل البيت ويستمر محصيا مسجلا حتى يأتي موعد «شاي الضحى» فيتناوله معهم ليحل موعد الغداء فيكون ضيفهم وهو مازال يسجل ويحصي.. ويحصي ويسجل حتى يرخي الليل سدوله ويؤتى له بالعشاء المخصوص.. وبعد ذلك يتوكل على الله حاملا «كنز المعلومات» معه..
***
أما تعدادنا المزعوم هذه الأيام فإنه تعداد «مودرن» حسب الموضة..كل واحد يحصي نفسه «..طيب وبعد ما نحصي نفسنا شنسوي»؟ أنا شخصيا «أحصيت» نفسي وطلع العدد «واحد» واستعنت بالحاسبة الإلكترونية وأيضا كان الناتج واحدا «..طيب خبروني وين أودي النتيجة»؟ هل أكتفي بشهادة شاهدين عدلين خاليين من العيوب الشرعية والقانونية.. وكاملي الأهلية ولم يسبق لهما الترشح لمجلس الأمة مثلا..؟!
***
وأول من لوّح بسوط العقوبات السيدة «وزيرة التجارة» فمن لا يملك شهادة إحصاء سوف يُحرم من خيرات البطاقة التموينية وربما ترسل الوزارة فرقا لتفتش الثلاجات المنزلية وتخليها مما فيها من زاد وطعام بحجّة أن صاحب البيت لم يشارك في الإحصاء..
وقد يلحقها وزير الكهرباء فيقرر قطع الكهرباء عن كل منزل لم يشارك في الإحصاء.. وتكر السبحة ويتبارى الوزراء في العقوبات حتى يصل الأمر إلى وزير الداخلية الذي سيأمر باعتقال «كل من تسوّل له نفسه عدم المشاركة في الإحصاء».. ويسبقها بعبارة «سنضرب بيد من حديد كل من لم يقم بالمشاركة في الإحصاء»..
***
وسؤالي جاد.. وأنا مواطن ملتزم وأحب «حكومتي الرشيدة»..أرجوكم تفضلوا علينا وأخبرونا كيف نشارك في الإحصاء..؟ أقصد وأكرر «الإحصاء» بـ «الحاء» بدون نقطة!
[email protected]