يكثر كلام العرب هذه الأيام عن مستقبل البلاد العربية التي قادت شعوبها ثورات أطاحت بأنظمتها الديكتاتورية مثل مصر وتونس وليبيا وسورية واليمن، ولكن مع الأسف فإن النتيجة التي ينتهي إليها الحوار تكون مصبوغة بالتشاؤم وعدم جدوى هذه الثورات لكون الشعوب العربية لا تحسن استخدام الديموقراطية والبعض يبالغ فيقول ان الديموقراطية لا تصلح للعرب! مؤكدين أن من سيتسلم السلطة في تلك البلاد المتهاوية أنظمتها سيفعل فعل سابقيه وسيتمسك بالسلطة ولن يتركها!
وبالطبع فأنا محارب ضد مثل هذه النتائج المسلوقة والتي أعتبرها غير موضوعية ومتسرعة وأيضا سطحية، مع تأكيدي على أن الديكتاتورية متخمرة في العقلية العربية وهي ليست استيرادا ولا نتيجة منشطات خارجية، وذلك لأن الثقافة العربية مربوطة ومؤسسة على التبعية للفرد لا للنظام المجتمعي والمؤسسي، وجاء الدين الإسلامي ليزرع مفاهيم فُسّرت على النسق ذاته رغم أن تأويلها أو تفسيرها إيجابيا أقرب إلى حقيقتها.
وعلى هذا نشأت الشعوب العربية تحت وطأة التلذذ بالتبعية ودون إدراك منهم لسلبية مثل هذا الأمر والذي يسلب منها الإرادة والقدرة على الإنتاج النافع للحضارة الإنسانية، والغلو في هذا الفهم بلغ حد ربط الإنتاج والإضافة للحضارة الإنسانية بالقدرة على الهدم حتى اعتبر البعض أن عمليات القتل والترويع التي يمارسها بعض العرب والمسلمين وأشهرها حادثة 11 سبتمبر 2001، هي إنجاز حضاري محمود ولابد من الحض عليه وتمجيده.
هذا التناسخ التاريخي للعقلية العربية صور للعرب عدم صلاحيتهم للديموقراطية أو عدم صلاحية الديموقراطية لهم وزرع طريق مستقبلهم بالتشاؤم ورسّخ عندهم هذا الفهم المأزوم.
وإن كان هذا هو الواقع فإنه لا ينفي ضرورة قيام الثورات التي من شأنها تغيير هذا الواقع ومعالجة الداء التاريخي المصابة به العقلية العربية ودفع الشعوب العربية إلى منارة الحضارة الإنسانية لتتحول إلى شعوب حضارية شأنها شأن الشعوب الأخرى في العالم التي تعيش في ظل الديموقراطية منذ مئات السنين.
والديموقراطية هي ليست كما يفهمها المتشائمون العرب من حيث انها نظام سياسي فقط بل الأهم من ذلك انها نظام ثقافي وعقلي وسلوكي، والنظام السياسي الديموقراطي هو ناتج الديموقراطية الثقافية وليس العكس.
[email protected]