ست وثلاثون عاما مضت لم تنسنا الألم، وست وثلاثون عاما لم يندمل فيها جرح أصاب كل الأمم. كيف ننسى وقد حطم الغزو الغادر كل القيم النبيلة، والروابط والعلاقات الإنسانية، والوصايا الدينية، والنظريات العلمية؟ كان شقيقا فشق ثوب الأخوة، وكان جارا فجار بظلمه على جيرانه، وكان محتاجا في أزمته فكنا له العون والسند، من غير من أو حسد. هذه أطباعنا، وهذه أخلاقنا، دستورنا القرآن، ومنهجنا السنة النبوية، لذلك كان الله معنا، قريبا منا، ألهمنا الصبر، وطبع على قلوبنا السكينة، وألهم قيادتنا الحكمة.
نعم، سبعة أشهر ووطننا محتل، ذقنا فيها المر، وعرفنا صديقنا من عدونا. منذ ذلك الزمن حتى اليوم تعلمنا، واكتشفنا أمورا كثيرة، قال تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم). كانت كارثة الغزو العراقي بمنزلة سبورة سوداء تعلمنا، وكتبنا عليها بالطباشير الأبيض قوله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا). وكتبنا كذلك أن الخير يغلب الشر، وأن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وأن من يزرع اليوم معروفا يحصده غدا، وآمنا بأن طاعة ولي الأمر والقيادة أمر رباني، كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). صدق الله العظيم.
لن ننسى توجيهات القيادة بأن نحافظ على هدوئنا، ونتمسك بأرضنا، ولا نواجه عدوا أهوج كثير العدد والعدة، حفاظا على أرواحنا. كذلك تكفلت قيادتنا، حتى وهي خارج الوطن، بتوزيع المال والطعام على المرابطين في الوطن، وكذلك على من كانوا في الخارج. ورغم أنها كانت مأساة، فإنها كانت درسا نموذجيا لكل قيادات العالم، بداية من فكرة استثمار أموال الدولة، وكيف تمت الاستفادة منها وقت المحن، وكيف تم إدخالها إلى وطن مغتصب، وكيف تم توزيعها على المواطنين اللاجئين في مختلف أنحاء العالم.
وكيف تشابكت الأيدي، قيادة وشعبا، وتم توزيع الأدوار، فكانت ملحمة تاريخية يضرب بها المثل. وقبل كل ذلك، كيف سخر الله سبحانه وتعالى دول العالم للمشاركة في تحرير الكويت، ولأول مرة اتفقت المتناقضات، مثل اتفاق حلف وارسو مع حلف الناتو، والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. إنها مشيئة الله، فلله الحمد والشكر على كل نعمه. عاد الحق إلى أصحابه، وعادت لنا الكويت أجمل، وأكثر ازدهارا وتطورا، وأمنا وأمانا، وعادت إلينا قيادتنا مرفوعة الرأس، عالية الهمة. أما من تسبب في هذه المأساة، فحسبنا الله ونعم الوكيل. وكأن البعض لم يستوعب الدرس!
[email protected]