يقال إن الأبناء يدفعون أحيانا ثمن أخطاء لم يرتكبوها، وربما أقسى ما يواجهه الإنسان أن يجد نفسه يعيش نتائج قرارات اتخذها غيره قبل أن يكون له حق الاختيار، فالأسرة هي المكان الأول الذي يتعلم فيه الطفل معنى الحب والأمان والثقة، وفيها تتشكل شخصيته ونظرته إلى نفسه وإلى الآخرين، لذلك فإن الخلافات المستمرة بين الوالدين، والصراخ والإهانة أمام الأبناء، لا تبقى مجرد مشكلة بين زوج وزوجة، بل تتحول إلى خوف وقلق داخل طفل لا يفهم لماذا أصبح بيته مكانا غير آمن، وقد يكون الانفصال أحيانا هو الحل الأفضل للوالدين، لكن الخطأ الحقيقي يبدأ عندما يتحول الأبناء إلى وسيلة للانتقام، ويحاول كل طرف تشويه صورة الآخر أمامهم. فالطفل يحب والديه معا، ولا يجب إجباره على اختيار أحدهما.
ومن الأخطاء التي نستهين بها أيضا المقارنة بين الأبناء: «أخوك أفضل منك» أو «ليش ما تصير مثل فلان؟»، كلمات بسيطة في نظر الأهل، لكنها قد تزرع الغيرة والنقص في نفس الابن، وربما تترك أثرا في علاقته بإخوته حتى بعد أن يكبر، أما الخطأ الذي لا يستوعبه بعض الآباء عندما يحاولون تحقيق أحلامهم من خلال أبنائهم، فالأبناء ليسوا نسخة أخرى منا، ولهم شخصياتهم وطموحاتهم واختياراتهم، وواجبنا أن نرشدهم ونساندهم، لا أن نختار حياتهم بدلا عنهم.
لذلك يهتم الآباء بتوفير كل ما يحتاج إليه الأبناء من المال والتعليم والسفر، لكنهم ينسون أحيانا أهم شيء وهو الاحتواء، فالابن يحتاج إلى من يسمعه ومن يسأله: «شلونك؟»، ومن يحتضنه عندما يخاف ويشعره بأنه محبوب ومقبول.
بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد أب أو أم لا يخطئ، فالكمال غير موجود، لكن الاعتراف بالخطأ لا يقلل من مكانة الوالدين، لذلك فإن بعض الأخطاء التي يستهين بها الأب والأم قد تمر عليهم كحدث عابر، لكنها تبقى في ذاكرة الأبناء سنوات طويلة، فعندما يقول الأب لابنه: «أنا غلطت بحقك، سامحني» فهو يعلمه أن الإنسان الحقيقي يتحمل مسؤولية أفعاله. فالمشكلة أن بعض الأبناء يكبرون وهم يحملون جروح طفولتهم، ثم ينقلونها من دون قصد إلى أسرهم وأبنائهم، وهكذا يصبح الخطأ دائرة تنتقل من جيل إلى جيل.
الأبناء ليسوا مسؤولين عن خلافاتنا ولا إخفاقاتنا ولا اختياراتنا الخاطئة، فبعض أخطاء الآباء تنتهي في لحظتها، وبعضها يبدأ أثرها الحقيقي عندما يكبر الأبناء.
[email protected]