يروى أن عبدالله بن المبارك كان في سفر، فرأى امرأة تلتقط شيئا من القمامة وتأخذه معها. استغرب الأمر فتتبعها من بعيد، ليكتشف أنها أم لأطفال جياع تجمع ما تجد لتطعمهم. لم تنتظر المرأة أن تسأل، ولم ينتظر هو أن تطلب، بل عاد واشترى لها الطعام والاحتياجات، وحملها بنفسه إليها حتى كفاها وأبناءها مؤونة الحاجة.
وحين سئل عن سبب ما فعل، كان الجواب في معناه أبلغ من القصة نفسها، فقد رأى حاجتها قبل أن تنطق بها.
هذه القصة تختصر معنى عظيما نفتقده أحيانا، فليس كل محتاج يطلب المساعدة، وليس كل من أثقلته الظروف يملك القدرة على السؤال. بعض الناس يمنعهم الحياء، وبعضهم تمنعهم الكرامة، فيكتفون بعرض معاناتهم أو التلميح إليها دون أن يصرحوا بطلب العون.
وعندما يسمو الإنسان لأرقى الأخلاق، يأبى أن يرى أخاه منكسرا أو آخر محتاجا، فيكون بذل العطاء أول ما يتصف به دون أن يطلب منه ذلك.
وعندما يعطيك الله جاها أو منصبا أو مالا أو قوة، فأنت في الحقيقة أحوج إلى الإحسان من صاحب الحاجة، لأنك عندما تساعد يبارك الله لك فيما أعطاك، ويكفيك همك وغمك، ويشرح صدرك، ويطيب ذكرك في حياتك وبعد مماتك.
وفي المقابل، هناك من يجعل الناس يكررون السؤال ويستنزفون كرامتهم قبل أن يقضي حاجتهم، وربما لا يقضيها أصلا. ويكفي الإنسان أخلاقا أن يفهم الناس دون أن يضطروه إلى طلب المساعدة صراحة.
يروى أن رجلا دخل على أحد الخلفاء فقال: «يا أمير المؤمنين، أريد الحج». فقال له الخليفة: «حج». فقال الرجل: «ليس عندي نفقة». فقال: «استدن». فقال: «لا أجد من يقرضني». فقال الخليفة: «إذاً اجلس حتى يوسع الله عليك».
عندها قال الرجل كلمته المشهورة: «يا أمير المؤمنين، ما جئتك مستشيرا، إنما جئتك مستعينا».
وفي هذه القصة رسالة لا تقل أهمية عن الأولى، فبعض الناس لا يبحثون عن النصائح بقدر ما يبحثون عن يد تمتد إليهم عند الحاجة، وعن شخص يفهم مقصدهم قبل أن يضطروا إلى التصريح به.
احفظوا ماء وجوه إخوانكم، وكونوا لهم عونا وسندا.
فما من عمل إلا وستجزون من الله بمثله، فأحسنوا إلى الناس كما تحبون أن يحسن الله إليكم.
[email protected]
Twitter: Y_ALotaibii