«أبوعصام» من الرواد الأوائل الذين جاهدوا وعملوا في أقسى الظروف وأحلكها وهب عقله وقلمه لمبادئه ولم يتزحزح عنها قيد أنملة ولم يتلون وظل ثابتاً على القيم التي آمن بها حتى استرد الله أمانته
هناك تقصير من الدولة ومن أهله فهذا الرجل يجب أن يؤلف عنه أكثر من إصدار لأنه موسوعة كويتية ارتفع إلى مصاف وكبار رجالات الدولة الذين تفخر بتاريخهم الكويتفي هذا الزمن غير الجميل، ومع هذا الحراك السياسي الجامح الذي نشهده هنا وهناك، كم أفتقدك استاذي ومعلمي «أبا عصام».
أفتقدك معلما..
المغفور له الأستاذ عبدالله احمد حسين والزميل يوسف عبدالرحمن في مبنى جمعية المعلمين بالدسمة
وافتقدك كاتبا..
وافتقدك سياسيا..
وافتقدك ديبلوماسيا..
وافتقدك شاعرا..
وافتقدك تربويا..
وافتقدك رمزا..
افتقدك يا من وهبت عقلك وقلمك لمبادئ لم تتزحزح عنها وافتقدك منارة ثقافية كويتية لا تنطفئ بعطاءاتها النادرة..
الاستراحة هذا الاسبوع عن رجل من اهل الكويت المخلصين، استرد الله فيه امانته ولم يغب عن عيون اهله وذويه ومحبيه وطلابه.
الاستراحة هذا اليوم عن رجل قيادي من الزمن الجميل الماضي، ضيفنا في الاستراحة رجل ولا كل الرجال، انسان بكل ما تعنيه هذه الكلمة، شاعر رقيق، وكاتب عملاق يملك ناصية الكلمة، وتربوي عتيق، وديبلوماسي مجرب.
ضيفي وضيفكم في هذه الاستراحة هو المغفور له بإذن الله تعالى الاستاذ عبدالله احمد حسين العلي الرومي، توفي في يوم 26/4/1994 عن عمر يناهز 66 عاما بعد رحلة عطاء كبيرة، فمن هو هذا المربي والاديب والسفير؟
تعالوا معي في هذه الاستراحة الحزينة للتعرف على واحد من ابناء الديرة الذي لمع في سماء الكويت والعروبة، حارب كأشجع المحاربين وخطفه هاذم اللذات بعد حياة مليئة بالانجازات وسأكتب عنه بحكم ملازمتي له الحضور لمنزله في العديلية كل ثلاثاء كي اغرف من معينه الصافي الذي عرفته عن قرب وكان اخرها كلماته لي على فراش المرض اطلب من الله «التوبة والمغفرة» ولعله بالغها برحمة من ربي ودعاء المقربين منه الذين عرفوا معدنه الصافي المليء بحب الديرة واهلها وامة العرب.. وعلى بركة الله نبدأ:
حياته ونشأته
هو عبدالله بن احمد حسين الرومي، من مواليد حي الشرق «فريج الشملان» عام 1349 هـ الموافق 1930م.
في سن الخامسة انتقل مع أسرته الى منزل يقع مكانه حاليا المستشفى الأميري وبدأ رحلة تعليمية حاله حال الرعيل الأول من رجالات الكويت على يد الكتاتيب، بدأ تعليمه بالمنزل على يد الملا محمد المسباح ـ رحمه الله ـ ثم التحق بمدرسة الشيخ زكريا الأنصاري ثم المدرسة الشرقية، فالمباركية، حتى الصف الثاني الثانوي، ابتعث في دراسة خاصة الى القاهرة وتعلم أصول التدريس والتربية.
عمل مدرسا بالمدرسة المباركية في الفترة من (1947 ـ 1950م) وفي المدرسة الشرقية من (1950-1951م) ثم سكرتير عام دائرة البلدية في الفترة من (1952-1954م) وأشرف على الأندية الصيفية بوزارة التربية عام 1954م.
عين ناظرا لأكثر من مدرسة: 1954-1955 مدرسة النجاح الابتدائية وكاظمة الابتدائية عام (1955-1957م) ومدرسة المتنبي (1957-1960م) ثم عين في وزارة الخارجية عام 1961 مديرا للشؤون الإدارية والمالية والقنصلية ثم عين مفوضا في السفارة الكويتية بتونس (1962-1963م) ثم مديرا في وزارة الخارجية (1963-1964) ومديرا لإدارة الصحافة والثقافة ثم عين سفيرا لدى المغرب (1964-1967م) ثم سفيرا في سورية (1967-1970م) ثم مرة اخرى سفيرا في المغرب (1978-1986م).
محطات بارزة في حياته
من يتسنى له قراءة متأنية في مراحل استاذنا الكبير أحمد عبدالله حسين، رحمه الله، يتوقف طويلا أمام هذه المحطات التي صنعها لنفسه في أكثر من مجال وهو بالفعل جدير باحترامنا لأنه من الرواد الأوائل الذين جاهدوا وعملوا في أقسى الظروف وأحلكها وجاهدوا وعملوا ولم يتوقفوا، فها نحن نقرأ اليوم تاريخا حافلا بالتحديات والإنجازات للأستاذ «ابو عصام» المعلم والأديب والشاعر والديبلوماسي والسياسي والصحافي الذي وهب عقله وقلمه لمبادئه ولم يتزحزح عنها قيد أنملة لم يتلون ولم «يمسح جوخا» بل ظل ثابتا على هذه القيم التي آمن بها حتى أخذ الله أمانته. والله، بلا مبالغة ولا تزييف للحقائق هناك تقصير من الدولة ومن أهله وأبنائه على وجه التحديد، فهذا الرجل يجب ان يؤلف عنه اكثر من إصدار لأنه «موسوعة كويتية» ارتفع الى مصاف وكبار الرجال الذين تفخر بتاريخهم الكويت أولا لعصاميته وثانيا لمواهبه المختلفة وانني اقترح ان يتسلم تاريخه مركز التراث الكويتي. عبدالله احمد حسين.. رمز كويتي يجب ان يكرم على منصات تاريخ المعلمين والأدباء والشعراء والسياسيين لما اتصف به من شجاعة وخصال عربية أصيلة قل ان تجدها مجتمعة في رجل، صقلته التجارب والوظائف والمحن، تجرع مرارتها وقاسى آلامها سواء في كتاباته الصحافية أو الأدبية أو في محطاته الوظيفية ومع هذا كان دائما فارسا غير مجفل
عبدالله المعلم
اعتقد ان سر النجاح الباهر للاستاذ عبدالله احمد حسين في كل الوظائف مرده الى انه امتهن التعليم رسالة وليس مهنة، وكتبت عنه في جريدة «الأنباء» في نعيه ـ رحمه الله ـ جزءا يسيرا من «مماحكاتي» معه الكثيرة فلقد تعرفت على استاذنا ابي عصام عن قرب على اثر تسلمي لمهامي امينا للسر في جمعية المعلمين عام 1982 وهاتفته للتواصل مع أبنائه المعلمين لأنه استاذهم الكبير الذي ترك بصمة كبيرة في تاريخهم لأنه بدأ حياته معلما ومربيا وتربويا ونقابيا فهو احد الاعلام الذين اسسوا نادي المعلمين نواة جمعية المعلمين الكويتية الحالية التي مقرها في الدسمة. وكان اول امين سر في نادي المعلمين وشغل وظائف كثيرة في وزارة التربية حيث ساهم كناظر لعدة مدارس في تطوير الجانب القيادي فيها.
لقد آنست الصدق في اتصالي معه ففيه الصدق والإباء والجرأة والصرامة وكبر النفس وسمو الروح الى جانب الشعور الوطني والعربي ولعل من قرأ مقالاته وعايشه يعلم حقيقة سطوري فلقد كانت بحق عاكسة لرأيه ومرآة صادقة لخواطره ومشاعره وكنت من ألفاظه أقف على آلامه وعذابه وهي بحق تدرس لأنها نوع من الربط الجدلي والالتزام الفكري بحيث لا ينفصل احدها عن الآخر فكان على الدوام منتميا للكويت وأمة العرب مما أثار عليه خصومه وضغوط محبيه وعائلته غير ان هذا ما كان ليصرفه عن مبادئه وكتاباته وأفكاره.
المنية لم تمهله
أتمنى ان تجمع قصاصات ورقه التي كتبها بعد مرحلة التحرير ـ رحمه الله ـ ولو ان المنية وصحته وقدره كانت فيها فسحة لدون قلمه ما بدأه حول من خانوا ومن تآمروا ولكم ان تقرأوا زوايا كتبها رحمه الله بعد هزيمة الاحتلال العراقي بروحه الوثابة وعما حاق بالكويت من ظلم وغدر، مهيبا بأبناء وطنه على التمسك بالمبادئ والدعوة للديموقراطية لبناء كيان المجتمع الكويتي المتماسك.
أتذكر كتاباته اخذت بعدا جديدا عما كان يكتبه في السابق فكان يكتب ليفكر ويهز النفوس ويوقظها من سباتها على ما يراد بها وليضعها امام مسؤولياتها الجديدة في «زمن النكبة القومية».
لقد ناوأه الخصوم فأتعبوه وأتعبهم بحجته خاصة أنه أدان الاحتلال العراقي في موقف لا لبس فيه في مبدئه.
لقد عاش «ابوعصام» كأمثاله من اصحاب الفكر والمبادئ وقضى نحبه مدافعا عن آرائه وافكاره فجاء اسلوبه معايشا للواقع فاستجلب به العوام وكل الشرائح الاخرى لأنه باختصار قاد الفكر وأيقظ الشعور بلهجة صادقة عربية النزعة قوية العقيدة ورباطة جأش رافقها جمال في الأسلوب واهتمام بالمفردة وشجاعة في المواجهة وكم كتبت له المقالات والقصائد لانه رجل صادق قال ما اعتقد به ولم يجامل احدا وبعفوية وكويتية عربية شامخة.
يا بطل
كنت بين الفــــترة والاخرى اذهب اليه يوم الثلاثاء في منزله بالعديلية وأتحاور معه طيلة ساعات وكان يسبق ذهابي اتصالي حيث يسمعني كالعادة اربعة ابيات من الشعر يبدؤها بكلمة يا بطل.. الخ.
لقد زرته في المغرب عندما كان سفيرا لمدة 24 ساعة على اثر هروبي من ليبيا بعد ان اتعبنا المقبور القذافي بمسرحياته عن الامبريالية الاميركية طيلة 3 ايام في احتفالات الفاتح من سبتمبر ما جعلني اهرب من الفندق واذهب الى المطار وأسافر الى المغرب عند سفيرنا «ابوعصام» لمدة 24 ساعة ثم اغادر الى الكويت.
وزرته مرة على اثر مشاركتي في مؤتمر المعلمين العرب الذي انعقد في تونس عام 1982 إبان الغزو الاسرائيلي للبنان. وقد لبى دعوتي عندما كنت مقررا للمؤتمر التربوي الرابع عشر الذي انعقد في جمعية المعلمين خلال الفترة من 24 الى 29 مارس 1982 تحت شعار «المعلم في الوطن العربي» وكنت حينذاك مقررا للمؤتمر وأسعدته التسمية وقال تصريحه المشهور لنشرة المؤتمر: «من لا يحمل رسالة المعلم ويقوم بالتدريس فإنه انسان يمارس مهنة ويعدد اياما ويقبض راتبا».
هذه بعض من محطاتي الشخصية معه، ونعم.. افتقده اليوم وأترحم عليه عند ربي عز وجل.
تركته الحقيقية
أنا مازلت احمل املا كبيرا بأن يحافظ انجاله على ما تركه من مستندات وصور تاريخية تخص مراحل حياته، ولقد ناقشته في حياته عن هذا الموضوع الحيوي وكان يضحك ويقول الاولوية ان نمارس ادوارنا اليوم في ظل هذه الهجمة على امة العرب وتسجيل التاريخ اتركه لمن بعدي.
وقد زرته مع الاستاذ يحيى حمزة مدير التحرير الاسبق في منزله في العديلية بعد تحرير الكويت ووعدنا بالتفكير في اصدار كتاب يضم ما تم طرحه. وحتى بعد وفاته كلمت نجله عصام مرة بالهاتف واخرى في مركز سلطان في السالمية وايضا اختي د.عفاف وحرصت على موضوع الاصدار وأتذكر انهم ابلغوني بأن الاخ د.خليفة الوقيان مرشح ان يمسك هذا الاصدار.
ان استاذنا عبدالله احمد حسين – ابا عصام – هو احد ابرز اقطاب النخب الكويتية المثقفة التي دعت الى الاصلاح في وقت مبكر من امثال الرجيب والصرعاوي والرشيد والزيد والحاتم والعدساني والخرقاوي والحاتم وغيرهم كثير من ابناء الديرة الذين جعلوا مصلحة الكويت العليا فوق اي اتجاه وهم يستحقون منا ان نخلدهم في مؤلفات تبرز ادوارهم للاجيال الكويتية حتى نعزز مبدأ «الحشيمة» التي قد تغيب
اختلافنا
كنت في حياتي معه نختلف ولكن الاختلاف لا يفسد للود قــــضية، وكنت أحيــــانا أناقشه في الهاتف أو أزوره في منــــزله وأتناقش معه، وكان ـ رحمه الله ـ معي طويل الــــبال جذل العبارات يخجلني يبدأ دائـــما معي يا بطل، وكان ـ رحمه الله ـ حافظا لكثير من الآيات والأحاديث يعرف بدقة مواضع الاستشهاد بها في كتاباته وأحاديثه الصحافية، وكان بحق ملما بالتاريخ العربي والإسلامي وكان يمازحني رحمه الله قائلا: أنا في كامل الاستعداد اليوم للحوار حول ما تطرحه الأحزاب الإسلامية وأتدخل قائلا: أي أحزاب يا بوعصام؟
يقول ضاحكا: جماعتك الإخوان المسلمين والسلف.
وأرد قائلا: هؤلاء مواطنوك واخـــــوانك أهلك وعشيرتك أحــبابك، ألست أنا واحدا من هؤلاء الملتحين فيرد بسرعة مماحكا ومازحا: هذه لحية أحبها.
أحبك الله يا بوعصام وإنني منذ آخر العهد بك عندما قلت ادع لي واستغفر فأنا بحاجة الى دعوات المخلصين، لم ينقطع دعائي لك في الحج والعمرة ووقت نزول المطر وفي السفر. بقي أن أذكر انه كان كثير الثناء على اختي «ام عصام» وكان يستشهد بها في كل مواضع الزوجة الحنون والأم الرؤوم وأولاده عصام وحسام والبنات ومحبيه وإخوانه في رابطة الأدباء.
هذه جوانب من حياة المعلم والتربوي والمربي والنقابي والأديب والشاعر والصحافي والديبلوماسي والسياسي والإنسان عبدالله احمد حسين الرومي.. أودعها أمانة لمحبيه وأكتبها في جريدته «الأنباء» التي كتب فيها زواياه.
سطــور من تلميذ له ليس فيها إلا بعض فضله علي ووفاء الطالب لأستاذه المقر بإحسانه وفضله.
فسلام عليك «أبا عصام» في قبرك، اللهم اجعله روضة من رياض الجنة ومنزلته في الفردوس الأعلى، فسلام عليك في أصحاب اليمين، ثلة من الأولين وثلة من الآخرين.
وتسقط دمعات.. أبا عصام على الورق.. رحمك الله.
د.الغنيم والوكيل الخضري والجاسم والسفير عبدالله احمد حسين في مؤتمر المعلم في الوطن العربي مارس 1984 بالدسمة
رأيه في الاحتلال العراقي للكويت
كثيرا ما يطرح علي أو أسأل عن رأيي في موقفه من الاحتلال العراقي الغاشم؟
وليس عندي ابلغ من شعره الذي يدين الاحتلال العراقي، يقول رحمه الله:
اكاد ألمح في الدجى وهجا
وارى وحقك موكب السحر
وارى الصفوان بات يدفعها
زحف الكماة الصيد من مضر
سمراء يأمن دربها ابدا
دربي ومن أفدى لها عمري
ذهب الشباب وما شعرت به
لم أقضِ من حاجاته وطرى
سمراء هاتي الكف ألثمها
طال النضال الصعب فانتظري
يوما يفوق به على ثقل
قوم وتأتي ضربة القدر
[email protected]