Note: English translation is not 100% accurate
كيف يبني العراق سياسته الخارجية؟
14 فبراير 2011
المصدر : الأنباء
بقلم: إلياس فرحات *
كتب على العراق منذ انشائه بحدوده الحالية ان يعيش في حال من عدم اليقين السياسي علما ان هذا اليقين صعب المنال عند الكثير من دول المنطقة ايضا. قلما مرت حقبة من الزمن لم يشهد فيها هذا البلد ازمة او نزاعا او حربا جراء هذه الحالة فقد اختلطت دائما طموحات سياسييه مع واجباتهم القومية، ووجد العراق نفسه سباقا في التدخل العسكري في مختلف العهود وفترات عدم الاستقرار والانقلابات العسكرية.في الاربعينيات كاد رشيد عالي الكيلاني يغير توازنات الحرب العالمية الثانية بمحاولته الارتباط بالمانيا النازية وتهديد الوجود البريطاني في الخليج مستفيدا من وجود القوات الفرنسية الموالية لحكومة فيشي في سورية ولبنان. وفي عام 1948 شارك الجيش العراقي بفاعلية في حرب فلسطين مع انه دولة غير حدودية مع فلسطين ومنذ 1967 حتى 1970 رابطت وحدات عسكرية عراقية على الحدود الاردنية ـ الاسرائيلية في نهر الاردن. وفي عام 1973 شاركت وحدات عراقية في الحرب العربية ـ الاسرائيلية على الجبهة السورية. وفي الستينيات والسبعينيات دخل في نزاع متقطع مع الاكراد في شمال العراق. ومابين 1980 و1988 دخل في حرب مدمرة مع ايران التي اصبحت في حينه تحت حكم الثورة الاسلامية ولم تكد هذه الحرب تنتهي حتى اجتاح نظام البعث البائد الكويت عام 1990 وتعرض لحرب مدمرة عام 1991 افضت الى طرد قواته من الكويت وتحريرها وفرضت عقوبات دولية بحقه وتعرض لحصار دولي ولبعض الهجمات والعمليات الحربية لحين اجتاحته الولايات المتحدة وحلفاؤها عام 2003 ووقع تحت الاحتلال الاميركي.
منذ ذلك الوقت عاش العراق من اصعب الايام في تاريخه شهد فيها اعمالا ارهابية تدميرية داخل المدن والاحياء قتلت الكثير ودمرت بيوتا ومنشآت تحتية، والاخطر انها قطعت اوصال المجتمع العراقي الذي طالما عرف عنه تمسكه بوحدة ابنائه في اشد الظروف واحلكها. اليوم يكاد العراق ان يتنفس الصعداء مع انسحاب القوات الاميركية في نهاية العام الحالي على امل ان تكون الحكومة المنتخبة على قدر المسؤولية وتنجح في الحفاظ على الاستقرار وادارة شؤون الدولة وتوفير الخدمات الاساسية للمواطنين. تتوافر اليوم فرصة تاريخية لبناء عراق جديد او بمعنى آخر اعادة العراق الى الخريطة الاقليمية والدولية بدور فاعل وتبرز قضايا اساسية على جدول اعمال سياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي مثقل.نعرض فيما يلي بعض ابرز القضايا التي تواجه العراق في بناء سياسته الخارجية التي تتخذ صفة الاولوية:
المصالح المشروعة
من المفترض ان تنطلق السياسة الخارجية العراقية من المصالح المشروعة للدولة العراقية والشعب العراقي وان توضع قيد التنفيذ ضمن خطة واضحة المعالم. اولى المسائل في السياسة الخارجية هي تحديد العلاقة مع الولايات المتحدة الاميركية وخصوصا انها على وشك سحب ما تبقى من قواتها المسلحة اواخر العام الحالي على ان تحتفظ باكبر سفارة اميركية في العالم.فالولايات المتحدة هي عمليا الدولة التي احتلت العراق عام 2003 وهي التي حلت الجيش العراقي واعادت بناءه كما ادارت بناء قوى الامن الداخلي والاجهزة الامنية. على الصعيد الاداري وتحديدا خلال فترة الحكم المباشر بواسطة بول بريمر ومجلس الحكم المعين من قبل سلطة الاحتلال صدرت تشريعات ادارية وتنظيمات لاجهزة الدولة الادارية والمالية حتى باتت الخبرة الاميركية في الاجهزة الادارية والامنية تشبه الى حد بعيد تلك التي كانت ايام الانتداب الفرنسي والبريطاني على بعض الدول العربية والتي اوجبت استمرار العلاقة مع سلطة الانتداب السابقة من اجل متابعة بناء الادارة داخل البلد بعد استقلاله. هذه الاسباب الداخلية تحتم تنظيم العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق الجديد لاستكمال اعمال بناء الادارة العراقية والجيش والاجهزة الامنية ووضع النظم الاقتصادية اللازمة لتحريك عجلة الاقتصاد. اضافة الى ذلك يجب تحديد العلاقة العراقية ـ الاميركية فيما يتعلق بالدور العراقي في منطقة الخليج وخصوصا في امن المنطقة باعتبارها ذات اهمية استراتيجية للولايات المتحدة نظرا لاحتوائها على اكبر احتياط للنفط والغاز في العالم. هل يجري البحث في معاهدة جديدة تحل مكان اتفاقية وضعية القوات التي وقع عليها الجانبان والتي تنظم عملية سحب القوات الاميركية وانهاء المهمات القتالية؟ ام يجري العمل على وضعية خاصة للعلاقات بين البلدين تتيح حل المسائل العالقة بسلاسة؟ هذا من اهم الاولويات امام الحكومة العراقية.
السياسة مع دول الجوار تفرض نفسها على جدول اعمال الحكومة الجديدة وليس سرا ان دول الجوار وهي تركيا وايران وسورية والمملكة العربية السعودية والاردن لها تأثيرات واضحة داخل العراق لاسباب دينية ومذهبية وعرقية ولها ايضا مصالح مشتركة مع هذا البلد.في حالة المملكة العربية السعودية لم تتوضح بعد علاقة المملكة مع الحكومة الجديدة.وعلى الرغم من عدة زيارات قام بها عدد من المسؤولين العراقيين الى المملكة لم تعد الحرارة الى طبيعتها بين البلدين ولم توفد السعودية بعثة ديبلوماسية كاملة وهنا يبرز عبء على الحكومة العراقية لاعادة العلاقات الطبيعية والاخوية بين البلدين التي توفر انطلاقة مريحة لاعادة بناء مؤسسات الدولة (التبادل التجاري) بينهما. ان دور المملكة كبلد عربي كبير وجار للعراق مهم جدا في المسيرة السياسية للحكومة. كما انها العضو الاكبر في منظمة دول مجلس التعاون الخليجي التي تعتبر امتدادا حيويا لجنوب العراق وتضم الدول المصدرة للنفط في المنطقة.
تتخذ العلاقات العراقية ـ الكويتية بعدا مهما في اي سياسة خارجية عراقية، فالغزو العراقي للكويت عام 1990 واحتلالها والأعمال التخريبية التي قامت بها القوات العراقية في الكويت خلقت جرحا عميقا يتطلب الكثير كي يلتئم وتعود الاوضاع الى طبيعتها، وقد آن الاوان لتحرك عراقي لإنهاء هذا الوضع الشاذ خصوصا بعد سقوط نظام البعث البائد والمسؤول عن اجتياح الكويت وانتخاب حكومة عراقية جديدة.
الكويت هي مدخل العراق على السعودية ودول مجلس التعاون. ان اي نهضة للعراق يجب ان تأخذ بعين الاعتبار تصحيح العلاقات مع الكويت واعادة تنشيطها وقد اسهمت زيارة رئيس وزراء الكويت سمو الشيخ ناصر المحمد الى بغداد في خلق الجو الملائم لتهدئة الامور بين البلدين والشعبين. لا يجوز بأي حال من الاحوال القفز فوق مشكلة العلاقات مع الكويت ولا اهمالها ولا تجاوزها فهي اولوية تفرض نفسها عند تخطيط اي سياسة خارجية لحكومة العراق الجديد.من الكويت الى دول مجلس التعاون الخليجي تنتظر الحكومة العراقية حركة ديبلوماسية لإرساء علاقات تعاون مع دول المجلس.تجمع هذه الدول اتفاقيات عديدة في المجال الامني والدفاعي والاقتصادي، ومن المنتظر ان تتوحد العملة الخليجية خلال عامين كما ان رعايا دول المجلس يتنقلون بموجب بطاقات هوية مما يسهل حركتهم وهناك اتفاقات لرفع الحواجز الجمركية وتعقد قمم لملوك وامراء ورؤساء الدول تبحث في المستجدات وفي كل ما يتعلق بمصالحها بوتيرة متسارعة حسب التطورات، والملفت انه في احدى القمم حضر الرئيس الايراني الجلسات بصفة مراقب.من الحيوي جدا ان تتفاعل الديبلوماسية العراقية مع مجلس التعاون وهنا نطرح سؤالا، هل تقضي المصلحة ان ينضم العراق الى عضوية هذا المجلس خصوصا انه مقبل على رفع انتاجه النفطي من نحو 2.5 مليون برميل يوميا الى نحو 12 مليونا والعودة الى القيام بدوره السياسي والامني في المنطقة؟
الخلافات السياسية الحادة
تتخذ العلاقة السورية ـ العراقية اهمية خاصة نظرا لان سورية هي البلد العربي الاكثر التصاقا بالعراق.على مدى حدود تبلغ 605 كلم تتداخل العشائر على جانبيها وتجمع سكانها اواصر القربى والدم.لقد عانى السكان نحو ثلاثة عقود من الزمن من اقفال الحدود والتباعد بين الاقرباء بسبب الخلافات السياسية الحادة بين الحكومتين في كل من العراق وسورية. جاء الاحتلال الاميركي عام 2003 واطاح بالنظام البائد في العراق وانتهت اسباب القطيعة وفتحت الحدود بين البلدين لكن سرعان ما وضعت هذه الحدود تحت المجهر الدولي بسبب الادعاءات الاميركية عن تسلل مقاتلين وارهابيين من سورية الى العراق وقيامهم بتفجيرات ارهابية داخل العراق واصبح امن هذه الحدود قضية دولية وهاجسا اميركيا يتصدر المحادثات بين اميركا وسورية عند كل لقاء. شكل وجود نحو مليون ونصف مليون لاجئ عراقي في سورية حافزا كبيرا لتعزيز العلاقة بين البلدين وتنظيمها فقد كان قسم من هؤلاء معارضا للنظام البائد وهاربا من قمعه لكن القسم الاكبر لجأ بعد اتساع الاعمال الارهابية التي اتخذت اشكالا طائفية وعشائرية وطابعا دمويا قاسيا حمل العديد من السكان على اللجوء الى مناطق اخرى في داخل العراق وعلى لجوء قسم اخر كبير منهم الى الى الجارة سورية، ما لبث ان عاد الكثيرون منهم الى ديارهم بعد استتباب الوضع الامني. ان كثرة حركة الاشخاص بين البلدين تلزمهما وضع تشريعات تسهل هذه العملية مثل الغاء شرط سمة الدخول (الفيزا) او الدخول ببطاقة الهوية كما هو الحال عليه في دول الاتحاد الاوروبي او مجلس التعاون الخليجي.العلاقة الاقتصادية بين سورية والعراق هي على درجة بالغة الاهمية لمصلحة البلدين وقد توسع التبادل التجاري كثيرا بعد طول انقطاع.اهتم السوريون بالعراق العائد الى الميدان الاقتصادي فهو سوق مهم يحتاج الكثير وبما ان العراق بلد مصدر للنفط فهو يمتلك الامكانيات المالية لاستيراد البضائع وتمويل المشاريع. يشهد كل من مرفأ اللاذقية ومرفأ طرطوس في هذه الايام حركة لا تهدأ لاستقبال السفن التي تحمل بضائع متجهة الى العراق.
اضافة الى العلاقات الاجتماعية والاخوية بين الشعبين السوري والعراقي ماتزال الاجندة الاقتصادية تفرض نفسها على كل لقاء يعقد بين البلدين وتنشط الديبلوماسية كثيرا في المجال الاقتصادي من اجل دفع عجلة التبادل التجاري بين البلدين الجارين.
تبقى العلاقات السياسية والامنية المنطلق الاساسي لارساء علاقات اقتصادية وعلاقات تعاون وحسن جوار، لذلك من اولويات الحكومة الجديدة الانخراط في عملية سياسية تنسيقية مع سورية مماثلة للاجتماعات الدورية التي تعقد بين بعض دول الاتحاد الاوروبي مثل فرنسا وبريطانيا او فرنسا وألمانيا حيث تعقد اجتماعات تنسيقية بشكل متكرر على مستوى وزاري واجتماع قمة كل 6 اشهر. لا يعني ذلك مغالاة في الطموح لكن من المفضل ان توضع اهداف سياسية عليا من اجل العمل على تحقيق اقصى ما يمكن منها.
المخاطر الامنية
ثم ان المخاطر الامنية ليست بالامر الذي يستهان به اذ ان التنسيق الامني ضروري جدا من اجل درء مخاطر اي اعمال ارهابية او نشاطات غير مشروعة تستهدف امن واستقرار البلدين وهذا امر طبيعي يجري بين معظم الدول المتجاورة.
مع ان المملكة الاردنية الهاشمية هي من الدول الحدودية مع العراق لكن التداخل السكاني بين البلدين شبه معدوم نظرا لان المنطقة الفاصلة هي في معظمها بادية او صحراوية لكن الدور الاردني اثناء الاحداث والحروب التي شهدها العراق كان كبيرا ومميزا. ما بين 1991 اي عملية عاصفة الصحراء و2003 عام اجتياح القوات المسلحة الاميركية للعراق، عملية حرية العراق، كان هذا البلد يعيش حالة من الحصار الدائم تسببت في تراجع اقتصادي كبير ونقص في المواد الطبية والغذائية وكان الاردن منفتحا على العراق والممون الرئيسي له رغم طول المسافة بين مرفأ العقبة والحدود العراقية. استطاع الاردن الحصول على تغطية سياسية دولية من اجل احداث خرق في الحظر المفروض دوليا بطريقة الامر الواقع.
كما كان الاردن الطريق الرئيسي لانتقال الاشخاص من العراق واليه ولجأ مئات آلاف العراقيين الى الاردن خوفا من بطش نظام البعث ولاحقا من الحروب الاهلية التدميرية. لا ينتظر ان يعود الدور الاردني الى الاهمية الاستثنائية التي كان يتمتع بها خلال سنوات الحصار لان الوضع الطبيعي سوف يعطي دورا اكبر للدول العربية المجاورة وحتى للدول غير العربية الا ان التجارب الاخيرة توجب الحرص على العلاقة الخاصة التي تربط الاردن بالعراق.
جيران العراق من الغرب والجنوب هم اشقاء عرب اما من الشمال والشرق فتنتهي المناطق العربية وتبدأ المناطق الايرانية والتركية.
يحد العراق من الشرق ايران على مدى حدود يبلغ طولها 1458 كلم هي الاطول مع الدول المجاورة. قدر لهذه العلاقة ان تشهد مؤخرا ازمات وحروبا ومآسي. عام 1975 توصل البلدان الى اتفاق حول منطقة شط العرب (التقاء نهري دجلة والفرات ومصبهما في الخليج عند البصرة) وهي منطقة شهدت خلافات ونزاعات عبر التاريخ. عام 1980 وبعد نحو ما يزيد على السنة على انتصار الثورة الاسلامية وتسلمها السلطة في ايران توجس النظام القائم في بغداد خيفة من هذه الثورة وبدأ حربا على ايران وعبرت قواته المسلحة الحدود بين البلدين نحو منطقة خوزستان. سرعان ما توسعت الحرب لتشمل الجبهة بكاملها واستمرت مدة 8 سنوات وادت الى سقوط مئات آلاف القتلى والجرحى واصابة كل من البلدين بدمار شديد، خلال فترة الحرب وما تلاها، ليس سرا ان حالة من العداء نشأت بين البلدين وبات انهاؤها على درجة عالية من الصعوبة. في فترة الحرب وبعدها لجأ عدد كبير من العراقيين الى ايران وشكلوا تنظيمات سياسية ابرزها المجلس الاعلى للثورة الاسلامية وميليشيا قوات بدر، كما لجأ ايضا عدد كبير من عناصر حزب الدعوة الاسلامي واحزاب اخرى. وكانت الحدود بين البلدين مقفلة وتعيش حالة الحرب لحين الاجتياح الاميركي للعراق واحتلاله عام 2003 حيث فتحت الحدود بين البلدين.
ايران دولة غالبيتها من المسلمين الشيعة الذين يشكلون ايضا القسم الاكبر من العراق اي من 60 الى 65%. كما ان العراق بلد العتبات المقدسة في النجف وكربلاء والتي يزورها المسلمون الشيعة من جميع انحاء العالم. شكل العامل الديني جاذبا كبيرا لايران يكرس التعاطف الديني المذهبي فكانت اعداد كبيرة من الايرانيين تزور العراق باستمرار. تعامل قسم كبير من العراقيين مع القوات الاميركية كقوات احتلال وشنوا هجمات كبيرة عليها واطلقوا مقاومة مسلحة اسقطت قتلى وجرحى بين صفوف الاميركيين وفرضت عليهم اعادة حساباتهم . الغريب في هذه المقاومة انه لم يكن لها اب معلوم ولا قيادة واضحة لا داخل العراق ولا خارجه. الدولتان المتهمتان بدعم المقاومة هما سورية وايران كانتا تتعاملان مع سلطة الامر الواقع التي عينها الاميركيون من مجلس حكم ورؤساء غير منتخبين. ان العلاقات الاميركية المتردية مع ايران خلقت اشكالية في التعامل معها فهي دولة معادية لسلطة الاحتلال وهي دولة جارة وصديقة للسلطة العراقية جمعهما العداء لنظام البعث البائد. اوفدت ايرن سفارة كاملة الى العراق ولها قنصليات في المدن الكبرى وزار كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ايران عدة مرات كما زار الرئيس الايراني بغداد ويزورها باستمرار وزير الخارجية ووفود وزارية متعددة.
امام العراق معضلة اقامة علاقات حسن جوار وصداقة وتعاون مع ايران وهي علنا معادية للولايات المتحدة التي يقيم العراق علاقات جيدة معها باعتبارها سلطة احتلال سيصبح قريبا احتلالا سابقا. هل يشكل ذلك مصدر ارباك للحكومة العراقية المنتخبة ام مصدر قوة باعتبار انها تمسك بالعدوين اللدودين وتصبح التقاطع الوحيد بينهما؟
امام العراق تحد ديبلوماسي كبير واشكالية في بناء سياسة خارجية واضحة مع ايران خصوصا مع وجود فوارق واضحة لدى فئات الشعب العراقي في الموقف من ايران. هناك اشكالية اخرى لا تقل اهمية في العلاقة العراقية ـ الايرانية وهي موقف الامم المتحدة من ايران، فقد صدرت عدة قرارات عن مجلس الامن فرضت عقوبات تجارية واقتصادية على ايران وحظرت التعامل التجاري معها في امور كثيرة. يقضي الالتزام بقرارات الشرعية الدولية الا يخالف العراق تلك القرارات. هذه العقوبات فرضت كضغط على ايران بسبب الارتياب بنشاطها النووي. مازال الملف النووي الايراني يشكل مادة خلافية بين جيران العراق، دول مجلس التعاون الخليجي لا تخفي معارضتها لنشاطات ايران النووية وتبدي تخوفها من اقدام ايران على بناء سلاح نووي في حين تتخذ سورية موقفا مختلفا فهي حليفة لايران وتؤيدها تماما في الملف النووي، اما تركيا فقد دعت الى حل سلمي لمسألة الملف النووي واقترحت بالاشتراك مع البرازيل حلا لتخصيب اليورانيوم رفضته الامم المتحدة.
دعوات خارجية
منذ عام 2005 تصدر دعوات اميركية وغربية واسرائيلية من اجل توجيه ضربة عسكرية الى ايران على خلفية الملف النووي ووردت انباء عن حشد اساطيل وحاملات طائرات وغواصات في مياه الخليج بهدف تنفيذ الضربة لكن ذلك لم يحدث بل خلق جوا مشحونا بالتوتر في منطقة الخليج ولايزال. لاشك ان العلاقة الايرانية ـ العراقية تتأثر حتما بهذه الاجواء القلقة وهذا ما يرتب على الديبلوماسية العراقية اعباء شديدة تنضم الى التعقيدات الاخرى للسياسة الخارجية. وهناك ملف آخر في العلاقات العراقية ـ الايرانية هو الاقلية الكردية الموجودة داخل ايران وداخل العراق وتركيا. صحيح ان المسألة الكردية هادئة حاليا لكنها مرشحة للتحول الى ازمة شديدة عند حصول اي تغيير في وضع الكرد. تتفق مصلحة ايران مع العراق وتركيا بمنع قيام دولة كردية تؤثر على وحدة كل من الدول الثلاث. الكرد هم مكون اساسي في العراق ومنهم رئيس الجمهورية ووزير الخارجية لذلك تتخذ اي مشكلة كردية طابعا حساسا لدى الحكومة العراقية الجديدة.
لا تقل العلاقة العراقية ـ التركية اهمية عن علاقات تركيا مع دول الجوار. تقع تركيا شمال العراق وتمتد الحدود بينهما مسافة 352 كلم والمنطقة الحدودية هي كردستان العراق. تركيا هي البوابة البرية للعراق نحو اوروبا واسيا الوسطى وهي دولة عضو في الحلف الاطلسي وحليفة للولايات المتحدة والغرب نظامها علماني رغم ان السلطة الحالية بيد اسلاميين معتدلين. تشكل المسألة الكردية الهاجس الاكبر في علاقات تركيا مع العراق.حزب العمال الكردستاني الذي ينفذ هجمات مسلحة ضد الجيش التركي في مناطق الاكراد في جنوب شرق تركيا هو محظور في تركيا وزعيمه يقبع في سجن تركي ويعلن استمرار القتال ضد الاتراك وتشن القوات المسلحة التركية حملات عنيفة ضد افراده. تخشى تركيا ان يستخدم الكرد اراضي شمال العراق منطلقا لهجماتهم وقد انطلقت بالفعل بعض الهجمات من العراق وادت في بعض الاحيان الى رد فعل تركي عنيف وهجمات للطيران التركي على كردستان العراق وفي احيان اخرى الى عبور قواتها الحدود والقيام بأعمال حربية ضد مواقع محتملة للحزب. اوفدت تركيا بعثة ديبلوماسية كاملة ولها مثل ايران قنصليات في المدن الكبرى وحصلت زيارات على مستوى رئيس الوزراء بين البلدين وزيارات عديدة على مستويات وزارية.
في العراق اقلية تركمانية تنتمي الى العرق التركي وهي تتواجد في الشمال بجوار الكرد وهناك تخوف من تركمان العراق حول وجودهم في مدينة كركوك واحتمال ضمها الى اقليم كردستان وتلعب تركيا دور الحامي للاقلية التركمانية والراعي لحقوقها وهي اعلنت مرارا انها لن تقبل ان تمس حقوقها. كل هذا يضيف تعقيدات وتعقيدات على علاقة العراق مع دول الجوار وصعوبات في رسم سياسة خارجية محددة وواضحة تجاه كل المسائل المطروحة مع هذه الدول.
اما عن باقي ملفات السياسة الخارجية فهي لا تقل اهمية او تعقيدا. العراق يجب ان يعود دولة فاعلة في الامم المتحدة يمارس دوره وهذا يتطلب نشاطا ديبلوماسيا كثيفا بالاضافة الى تفعيل عضويته في جامعة الدول العربية (من المقرر عقد القمة العربية المقبلة عام 2011 في بغداد) ومنظمة المؤتمر الاسلامي وباقي المنظمات الدولية والاقليمية وتحديد علاقاته مع الاتحاد الاوروبي وروسيا والصين.
لاشك ان ما ذكرناه يشكل مادة كبيرة ومضنية في تخطيط سياسة عراقية جديدة فمعظم المسائل ان لم تكن جميعها من النوع العاجل الذي لا يحتمل التأجيل وهذا ما يرتب اعباء جمة على صانعي السياسة في العراق الجديد.
أزمات.. ونزاعات.. وحروب
كتب على العراق منذ إنشائه أن يعيش في حال من عدم اليقين السياسي، فقلما مرت حقبة من الزمن لم يشهد فيها هذا البلد أزمة أو نزاعا أو حربا، وجراء هذه الحالة فقد اختلطت دائما طموحات سياسييه مع واجباتهم القومية، ووجد العراق نفسه سباقا في التدخل العسكري في مختلف العهود وفترات عدم الاستقرار والانقلابات العسكرية. ففي الأربعينيات كاد رشيد عالي الكيلاني أن يغير توازنات الحرب العالمية الثانية بمحاولته الارتباط بألمانيا النازية وتهديد الوجود البريطاني في الخليج، وفي عام 1948 شارك الجيش العراقي بفعالية في حرب فلسطين ومنذ 1967 لغاية 1970 رابطت وحدات عسكرية عراقية على الحدود الأردنية ـ الإسرائيلية في نهر الأردن، وفي عام 1973 شاركت وحدات عراقية في الحرب العربية ـ الإسرائيلية على الجبهة السورية، وفي الستينيات والسبعينيات دخل في نزاع متقطع مع الاكراد في شمال العراق، ومابين 1980 و1988 دخل في حرب مدمرة مع إيران ولم تكد هذه الحرب تنتهي حتى فاجأ المقبور العالم بغزو غاشم للكويت عام 1990 فعرض العراق لحرب افضت الى طرد قواته المحتلة من الكويت.