Note: English translation is not 100% accurate
رحلة في أعماق التاريخ والحضارة وكنوز الطبيعة 10
قافلة الإعلام السياحي الخليجي في نجران وجازان ومكة المكرمة
31 مارس 2012
المصدر : الأنباء






نجران - عاطف عيسى
تجربة مدهشة وممتعة في آن ان تجد نفسك تغادر عصرك وتغوص ضمن قافلة اعلامية، في اعماق التاريخ، وتقلب صفحات التراث وتطالع معالم الحضارات، تبدأ من العصر الحجري ونشأة الانسان وتمر في سرعة وخفة الى حضارات ما قبل الميلاد، ثم الى عصور متأخرة قبل مئات السنين من مبعث الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم مرورا بعهود الخلفاء الراشدين ثم دولة بني امية فبني العباس وصولا للعهد العثماني فالعصر الحاضر.
هكذا كانت التجربة المدهشة في قافلة الاعلام الخليجي السياحي التي تنظمها الهيئة العامة للسياحة والآثار في المملكة العربية السعودية، بادئة بالرياض عاصمة المملكة وحاضرتها، لترتد سريعا الى نجران حيث التاريخ والحضارة بدءا بمطارها الاحدث في المملكة ثم الاخدود الشهير فالآبار التي تعود الى آلاف السنين ومواقع اثرية وحضارية في نجران التاريخ، ثم كان الانتقال السريع الى جازان حيث كنوز الطبيعة المتنوعة، الساحل الجميل والجزر البكر الخلابة، والجبال الشاهقة والقرى التراثية المتميزة. وكان الختام في مكة ام القرى، حيث اعلى ساعة في العالم، وغار ثور وغار حراء ومتحف الحرمين ومصنع كسوة الكعبة الشريفة، رحلة استمرت 10 ايام كاملة، شاركت فيها «الأنباء» ضمن فريق اعلامي كويتي ضم تلفزيون الكويت وتلفزيوني الوطن والراي والزميلة الوطن الى جانب وسائل اعلامية ومحطات تلفزيونية خليجية وعربية. ولنبدأ من حيث النهاية، من مكة المكرمة، فجازان ونهاية نجران.
4 أيام قضتها قافلة الإعلام السياحي الخليجي متنقلة بين أحدث الإنجازات وأقدم المواقع التاريخية في العالم
نجران.. حاضرة الربع الخالي وأرض العراقة والتراث والثقافة
لم أكد أضع حقيبتي في غرفة الفندق الذي امتلأ بضيوف الرياض وإعلامييها من رواد معرض الكتاب الذي حظي بكثير من الاهتمام، حتى جاءني صوت مدير مشروع القافلة محمد الرشيد: أهلا بك في الرياض، الساعة الآن التاسعة مساء، نم قليلا، سيوقظك الاستقبال في الرابعة والنصف فجرا، الطائرة التي تقل القافلة ستغادر مطار الملك عبدالعزيز في السادسة الى نجران، عمت مساء «يا الهي.. الى نجران، نجران التي ترتبط في ذاكرتي بحدثين تاريخيين مهمين، هذه الفئة المؤمنة التي استعلت على الطغيان والباطل، فأعلنت إسلامها» وآمنت بربها بوجه أحد الطغاة وملئه المتجبرين وحرقوا جميعا في الأخدود المشهور حيث اختصهم الله تعالى وكرمهم جزاء بذلهم الأنفس في سبيله بسورة عظيمة هي سورة الاخدود.. والحدث الثاني هو وفد نصارى نجران الذي خيب ظن كفار قريش وآمن بالرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم فنزل فيهم قوله تعالى (.. ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل الى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق...). إذن أنا على موعد مع التاريخ، وأي تاريخ، تاريخ عظيم مشرف، يشكل سلسلة في حلقات ركب المؤمنين على مر الزمان، تاريخ أمة سطرت أعظم ملحمة تضحية عرفتها البشرية، ولم يغمض لي جفن هذه الليلة وأنا أجهز نفسي لهذه الجولة المثيرة.
دخلنا الطائرة، وكان مقعدي بجوار فتاتين منقبتين، استأذنتهما أن أجلس الى جوارهما، فأذنتا بأدب جم، وأدهشتاني بانغماسهما في القراءة، وأعطاني ذلك انطباعا جيدا عن أهل نجران، وإن كنت لا أعلم هل هما من أهل نجران أم لا.
وطوال نحو ساعة وربع الساعة، هي زمن الرحلة بالطائرة من الرياض إلى نجران وأنا غارق في التفكير فيما يمكن أن تكون عليه انطباعاتي، وأنا أقلب صفحات التاريخ في نجران، أرض العراقة والتراث والثقافة على مر تاريخ الجزيرة العربية منذ العصور القديمة، والتي تتبع لها واحة الربع الخالي أعرق وأقدم المواقع التاريخية في العالم على الإطلاق، بدءا من العصر الحجري مرورا بحضارة الممالك التي بسطت سيطرتها على المنطقة كمملكة حمير، وتنوعت الديانات والشعوب والأعراق المختلفة التي عاشت ومرت بنجران.
نجران، التي عثر الباحثون فيها على آثار أقدم حضارة في التاريخ تعود الى أكثر من 25 ألف عام أي أواسط العصر الحجري، كما عثروا على أثر بحيرات قديمة جدا تدل على ان تلك المنطقة الواقعة في أحضان الربع الخالي كان لها أهمية تاريخية. ووسط هذا «الغرق التفكيري في التاريخ» لامست عجلات الطائرة أرض المدرج، وما هي إلا دقائق حتى صدمتني المفاجأة.. استقبال حافل على أرض المطار، مطار نجران الجديد كليا، والأحدث افتتاحا في المملكة، غاية في الحداثة والجمال والرقي، فخرجت من العصر الحجري ومملكة حمير الى عصر المطارات الحديثة والمتطورة في لحظة واحدة.
تحركت القافلة يقودها مدير عام المطار، ويتولى شرح أقسام وأجزاء المطار الجديد.. حيث قال: «المطار اعتمد في تصميمه على توفير جميع السبل الكفيلة بإراحة المسافرين والقادمين واستيعاب الزيادة المطردة في الأعداد التي تستخدمه، اضافة لتهيئته لمرحلة التشغيل الدولي ليعمل كمطار إقليمي دولي يصل برحلاته الى المطارات الدولية في الدول المجاورة.
ويضيف: «روعي ان يتمكن المطار من استقبال الطائرات ذات الحجم الكبير الى جانب امكانية تسيير الرحلات الدولية بطاقة تبلغ 1.4 مليون مسافر سنويا وبمعدل 15 ألف رحلة جوية.
من صالات القدوم الى صالات المغادرة، وصالات الرحلات الداخلية الى أنظمة سيور العفش، والمنطقة التجارية، تواصلت الجولة في المطار، وانتهت بشرح وافٍ من مدير فرع الهيئة العامة للسياحة والآثار بنجران صالح آل مريح الذي رافقنا طوال 4 أيام كاملة، يقود فريق الهيئة ويعمل بكل تفان على ابراز نجران التاريخ والحضارة والعراقة كأبرز الوجهات السياحية في المملكة.
«لا وقت للراحة» هكذا همس في آذاننا النشيط محمد الرشيد: سنتناول افطارنا في الفندق ونغادر مباشرة الى موقعين مهمين في نجران. وتحركت القافلة، الى أحد المعالم التاريخية في نجران، قصر العان الذي يقع على مرتفع يطل على واحة من نخيل نجران، ولذلك لم يتمكن باص القافلة من الصعود، فتولت سيارات الدفاع الرباعي نقلنا الى حيث القصر الذي تم تشييده عام 1155هـ من قبل الشيخ محمد بن اسماعيل المكرمي، وتعود ملكيته لقبيلة المكارمة، ويقع – كما قلنا – على أعلى قمة جبل العان مطلا على وادي نجران، والقصر مبني من الطين على أساسات من الحجر بطراز معماري تتميز به المنطقة وبطريقة المداميك «العروق» ويحيط به سور طيني له 4 أبراج وبوابة رئيسية ويتكون القصر من 4 طوابق، ويتوافر الى جواره جميع الخدمات. الآن نجران منطقة زراعية أساسا، تلحظ ذلك بمجرد وصولك اليها فإن توافر المياه كان الهاجس الأكبر لسكانها طوال تاريخهم، وكانت الأمطار هي المورد الرئيسي والوحيد للمياه، وهو مورد لا يتمتع بالاستمرار والثبات، مما حدا بأجهزة الدولة الى ضرورة انشاء سد على مجرى الوادي الرئيسي يتولى التحكم في المياه القادمة ومن ثم تصريفها بالطرق التي تجعل في الإمكان القضاء على ظاهرة الجفاف والفيضان بالمنطقة.
وفي عام 1977 بدأت شركة فرنسية في انشاء السد بكلفة تبلغ 277 مليون ريال وبهدف رئيسي هو انشاء بحيرة خلف السد تتسع لما يزيد على 86 مليون متر مكعب في وقت واحد وتصريفها بالمعدلات المناسبة بدلا من ضياعها في رمال ومتاهات الربع الخالي، وبالفعل عندما تمتلئ تلك البحيرة تمتد الى مساحة 5 كيلو مترات مربعة، وحمى الله نجران بفضل هذا السد من كوارث الفيضانات التي سببتها السيول. في مساء اليوم الاول بنجران كانت قافلة الاعلام السياحي الخليجي على موعد مع وكيل امارة نجران والذي كلفه صاحب السمو الملكي الامير مشعل بن عبدالعزيز باستقبال القافلة نظرا لوجوده في جدة لارتباطات سابقة، وكان مكان الاستقبال في منتزه الملك فهد الوطني، وعرف صالح آل مريح المنتزه بقوله: يعد المنتزه من اكبر واشهر المنتزهات الحضارية بالمملكة، وتعدت مساحته نحو 5 ملايين متر مربع، ويقع في مركز رجلا جنوب نجران ويضم منتزهات خضراء وغطاء نباتيا مثل السمر والسدر واشجار مختلفة، وهو مزود بمجموعة من الخدمات ويتوافر فيه موقع للمهرجانات والاحتفالات الرسمية واماكن لجلوس العائلات.
وتجولت القافلة في المنتزه لاكثر من نصف ساعة، وبالفعل ظهر لنا، كم هو يشكل واجهة حضارية متميزة لخدمة السياحة بالمنطقة نظرا لاتساع مساحته الخضراء والاشجار الظليلة التي تملأ جنباته، والعاب الاطفال المنتشرة هنا وهناك، الى جانب الخدمات المتنوعة والاستراحات العائلية والممشيات الرياضية وغيرها.
وبلغة الارقام يضم المنتزه نحو 20 الف شجرة من السدر واللوز و200 الف متر مربع من المسطحات الخضراء و10 آلاف شجرة ورد متنوعة كما يضم 7500 شجرة مثمرة، وصلنا الى مقر الاحتفال الاستقبالي، الذي تصدره وكيل امارة نجران وكبار رجالات الامارة والجهات المعنية، واقيمت الفنون الشعبية التي تشتهر بها نجران قبل ان يتفقد وكيل الامارة معرضا فوتوغرافيا وتشكيليا لنجران، ثم القى كلمة ترحيبية بالقافلة ونقل لنا تحيات صاحب السمو الملكي الامير مشعل بن عبدالله بن عبدالعزيز امير نجران، ووضع العشاء الفاخر، وانتهى الحفل الاستقبالي بـ «مشية تنزه» في المنتزه، فامتلأت صدورنا بهواء عليل بارد نوعا ما وتمتعت عيوننا بمسطحات خضراء شديدة الجمال والروعة، ووددنا لو امضينا ليلنا كله في هذا المكان الجميل، لكن وقبل منتصف الليل بقليل تحرك باص القافلة بعد ان كرمنا وكيل الامارة بدرع تذكارية لكل اعلامي من اعلاميي القافلة موقعة من صاحب السمو الملكي الامير مشعل ليبدأ اليوم الثاني في رحلة القافلة الى نجران،إلى قصر الإمارة ثم لسوق الجنابي .. وفي المساء إلى الأخدود وتلك قصة أخرى.
صالح آل مريح: ثروة تراثية كبيرة في نجران
أوضح المدير التنفيذي للهيئة العامة للسياحة والآثار في منطقة نجران صالح بن محمد آل مريح أن نجران تحظى بثروة تراثية كبيرة، تتمثل في 40 قرية تراثية يوجد بها 45 منزلا من الطين والخشب بنظام المداميك. وتشتهر قرى نجران بهذا النوع من العمارة، وقال إن هذه القرى تنتشر على ضفاف وادي نجران ووادي حبونا في والمحافظات الشمالية للمنطقة، والمراكز الأخرى، حيث مازال ملاك هذه المباني التراثية يتمسكون بها حتى وقتنا الحاضر، وأشار آل مريح الى ان الأهالي تفاعلوا مع الدعوات للحفاظ على المباني التراثية، التي تعد إرثا جميلا لأبناء هذه المنطقة. وأضاف آل مريح أن الأهالي استفادوا من الدراسات والتصاميم التي قدمتها الهيئة العامة للسياحة والآثار، والقروض المقدمة من بنك التسليف، وذلك بتحويل بعض تلك القرى إلى متاحف تراثية ومطاعم شعبية، ويتمسك الكثير من سكان منطقة نجران بالبيوت الطينية القديمة، التي يعدونها إرثا من الآباء والأجداد وشاهدا على عصر الحياة القديمة الجميلة.
وتعد البيوت الطينية والقصور والقلاع التاريخية فيها شاهدا على العصر، وتحظى بحب سكان المنطقة، معتبرين تلك البيوت رمزا وتاريخا للآباء والأجداد، لذلك حرص السكان على ترميمها والحفاظ عليها شامخة وسط المزارع والقرى والمدن. وتتميز البيوت الطينية بقوتها ومقاومتها للظروف المناخية، كما تتميز البيوت الطينية بجوها الصحي، حيث تتأقلم مع الظروف الجوية، فعند ارتفاع درجات الحرارة تحافظ على درجة برودة معتدلة، وفي البرودة أثناء فصل الشتاء يخزن جزء من الدفء داخل الدور، بعكس المباني الحديثة التي تتأثر بالعوامل المناخية، ويتبادر إلى ذهن الناظرين لهذه البيوت الطينية القديمة من طرازها وألوانها وتشييدها أنها من البيئة التي أنشئت فيها ورمز لحقبة زمنية ماضية مرت على هذه المنطقة، وتفسير لحضارتها وظروفها المعيشية.
وأشار آل مريح إلى ان التراث العمراني في منطقة نجران يحظى باهتمام متواصل من الأمير مشعل بن عبدالله بن عبدالعزيز أمير منطقة نجران للحفاظ عليه من الاندثار. وأضاف أن منطقة نجران غنية بآثارها التاريخية وتراثها العمراني المتنوع الذي ربط الماضي بالحاضر، ويبذل أبناء منطقة نجران جهودا كبيرة للحفاظ على تراث نجران العمراني والثقافي والحضاري.
تسمية نجران
يرد اسم نجران في الكثير من الروايات التاريخية وفي كثير من كتب الرحالة العرب والاجانب دون تعليل لهذه التسمية تاركين ذلك لروايات سابقة اوردت ذلك، تذكر لنا بعض الروايات ان النجران خشبة يدور عليها رتاج الباب، وتضيف انهم قالوا: «وصدت الباب في النجران حتى تركت الباب ليس له صرير» واضافت هذه الرواية انها سميت كذلك نسبة الى اول من نزلها وعمرها وهو شخص يدعى نجران بن زيدان بن سبأ بن يعرب بن قحطان، وصار هذا الشخص الى نجران لانه رأى رؤية فهالته فخرج رائدا حتى انتهى الى واد فنزل به فسمي نجران به، كما اننا نجد بيت الشعر السابق في رواية اخرى تقول:
صببت الماء في النجران حتى تركت الباب ليس له صرير
حضارات مرت في المنطقة
المرحلة الاولى
بدأت قبل اكثر من 1.5 مليون سنة واستمرت حتى نحو 2000 ق.م وهي ما يعرف بالعصر الحجري.
المرحلة الثانية
بدأت قبل سنة 1000 ق.م وشهدت نشأة مدينة نجران القديمة وازدهار التجارة البرية التي ساهمت في نشأة العديد من المدن التجارية الاخرى في انحاء الجزيرة العربية خلال الالف الاول ق.م حيث اصبحت نجران خلال الفترة من 600 ق.م الى 300 ق.م من المدن التجارية المميزة لحضارة جنوب الجزيرة العربية وكانت تقوم على موقع الاخدود الحالي نفسه حيث كانت تقوم فيه النقوش باسم ن ج ر ن، وتمثل القلعة ابرز معالمها.
المرحلة الثالثة
بدأت بحلول عام 300 ق.م والى فجر الاسلام وتعرف بالفترة البيزنطية وكانت حادثة الاخدود ابرز حادثة في تلك الفترة حيث كانت نجران تشكل جزءا من اتحاد سياسي يضم الى جانبها دولة كندة والدولة الحميرية. وكانت الديانة المتبعة آنذاك المسيحية التي انتشرت في نجران وآمن بها الناس مما تسبب في وقوع حادثة الاخدود.
المرحلة الرابعة
المرحلة الاسلامية والتي بدأت في السنة التاسعة والعاشرة للهجرة حيث لم يعد الاخدود مكان التجمع الرئيسي في نجران وانما انتشرت الحياة خارج الموقع في انحاء متفرقة من الوادي، وتذكر المصادر التاريخية ان نجران قبل الاسلام بقليل كانت سوقا من اسواق العرب المشهورة واستمرت المدينة آهلة بالسكان حتى الوقت الحاضر.