Note: English translation is not 100% accurate
رحلة في أعماق التاريخ والحضارة وكنوز الطبيعة (12)
قافلة الإعلام السياحي الخليجي في نجران وجازان ومكة المكرمة
2 ابريل 2012
المصدر : الأنباء








جازان - عاطف عيسى
تجربة مدهشة وممتعة في آن ان تجد نفسك تغادر عصرك وتغوص ضمن قافلة اعلامية، في اعماق التاريخ، وتقلب صفحات التراث وتطالع معالم الحضارات، تبدأ من العصر الحجري ونشأة الانسان وتمر في سرعة وخفة الى حضارات ما قبل الميلاد، ثم الى عصور متأخرة قبل مئات السنين من مبعث الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم مرورا بعهود الخلفاء الراشدين ثم دولة بني امية فبني العباس وصولا للعهد العثماني فالعصر الحاضر.
هكذا كانت التجربة المدهشة في قافلة الاعلام الخليجي السياحي التي تنظمها الهيئة العامة للسياحة والآثار في المملكة العربية السعودية، بادئة بالرياض عاصمة المملكة وحاضرتها، لترتد سريعا الى نجران حيث التاريخ والحضارة بدءا بمطارها الاحدث في المملكة ثم الاخدود الشهير فالآبار التي تعود الى آلاف السنين ومواقع اثرية وحضارية في نجران التاريخ، ثم كان الانتقال السريع الى جازان حيث كنوز الطبيعة المتنوعة، الساحل الجميل والجزر البكر الخلابة، والجبال الشاهقة والقرى التراثية المتميزة. وكان الختام في مكة ام القرى، حيث اعلى ساعة في العالم، وغار ثور وغار حراء ومتحف الحرمين ومصنع كسوة الكعبة الشريعة، رحلة استمرت 10 ايام كاملة، شاركت فيها «الأنباء» ضمن فريق اعلامي كويتي ضم تلفزيون الكويت وتلفزيوني وجريدتي الوطن والراي الى جانب وسائل اعلامية ومحطات تلفزيونية خليجية وعربية. ولنبدأ من حيث النهاية، من مكة المكرمة، فجازان ونهاية نجران.
المنطقة المزدانة بحضارة المليون عام زاخرة بعشرات المواقع الأثرية والسياحية بامتياز
نجران.. آبار حمى وقصر الإمارة وسوق الجنابي وأرض الحمضيات
بعد مطارها الاحدث في المملكة، وسدها الشامخ، وقصرها «العان المنيف» واخدودها الشهير، لاتزال نجرصصان زاخرة بمواقع اثرية، وحيوية ثرية فهذه نجران حضارة المليون عام، وملتقى قوافل التجارة، وبرتقالة الصحراء، وحاضرة الربع الخالي، نجران ثالث المناطق في السعودية مساحة، متميزة الموقع ومتعددة البيئات الجغرافية: سهلية خصبة في الوسط تمثل الثقل التاريخي والبشري وتضم اودية عديدة اشهرها وادي نجران، وجبلية متميزة باعتدال جوها صيفا وتتزين بعدد من المتنزهات الجميلة واشجار السدر الظليلة وتتركز في محافظات حبونا وبدر الخبوب ويدمة وثار التي توجد بها ثروة معدنية منها المنجم الخاص بالمعادن الذهب ويقع في الجوشن التابع لمركز الصفاح، كما ان العديد من الجبال تتميز بصخور الجرانيت التي تنتج الرخام الذي يغطي بعض احتياجات المملكة، وبيئة رملية في الشرق وهي جزء من صحراء الربع الخالي وفيها اهم محافظات المنطقة «شرورة» والخرخير القريبة من الحدود اليمنية وتبعد عن نجران نحو 750 كيلومترا.
قصر الإمارة التاريخي
لم تزل زيارة موقع الأخدود، ماثلة في اذهان وعقول اعلاميي قافلة الاعلام السياحي الخليجي التي تحرك «باصها» الى معلم حديث نسبيا، الى قصر الامارة التاريخي بوسط نجران، وهو قصر محمد الماضي، وتولى الاستاذ صالح آل مريح الشرح: انه معلم فريد من حيث روعة البناء والهندسة في التخطيط يربط عراقة الماضي بأصالة الحاضر، ويقع في مدينة ابا السعود على مساحة تقدر بنحو 6253 مترا وبدأ العمل في انشائه مطلع عام 1361هـ في عهد الملك عبدالعزيز، وانجز في العام 1363 ليكون قصرا وقام بتخطيطه والاشراف على تنفيذه تركي الماضي ويضيف آل مريح ونحن نتعقبه في تفقد اقسام وحجرات القصر المنيف: القصر كما ترون قلعة متكاملة، ومحاط بسور مرتفع تحرسه اربعة ابراج، وفي الفناء توجد بئر لتزويده بالمياه، وهي بئر قديمة جدا يرجع تاريخها الى ما قبل الاسلام، القصر الذي اشرفت الهيئة العامة للسياحة والآثار على ترميمه، بالفعل يتسم بروعة البناء والهندسة في التخطيط.
بجوار القصر مباشرة تقع المدرسة الاميرية، والتي يجري ترميمها وكانت لنحو 40 عاما خلت مدرسة نظامية تدرس فيها مراحل التعليم المختلفة، واصبحت اثرا يزار.
سوق الجنابي والخناجر
وعلى بعد خطوات من القصر والمدرسة، ترجل اعلاميو القافلة ومرافقوهم الى سوق الجنابي، وهو سوق تراثي مدهش يحفل بكل ما يرتبط بهذه الصناعة من صلة، ويبدد آل مريح دهشتنا ويقول: لا تندهشوا من تخصيص سوق لهذه الصناعة، فهي تمثل لأهل نجران تراثا وتقليدا ثابتين راسخين، حيث الخناجر، والجنابي زي تقليدي يحظى باهتمام كبير، ويتابع: رغم عدم العثور على خناجر خلال الحفريات الاثرية في نجران حتى الآن، فانها على الارجح عرفت في فترة سابقة لحضارة جنوب الجزيرة العربية وهذا ما تؤيده الرسوم الصخرية في منطقة بئر حمى ويدمة التي يظهر خلالها الكثير من الاشخاص يتقلدون الخناجر والسيوف ولقد كانت الخناجر قديما ترمز للشجاعة والرجولة وتستخدم سلاحا للدفاع عن النفس، في حين استمرت حتى الآن رمزا للاصالة ومصدرا للفخر وزيا للمناسبات ويزيد آل مريح، ونحن ننتقل معه من دكان الى آخر: لاتزال صناعة الخناجر من ابرز الصناعات التقليدية القائمة في نجران وجنوب الجزيرة العربية كما هو الحال في اليمن وسلطنة عمان.
ساقني فضولي إلى محادثة عدد من مالكي الدكاكين وصانعي الخناجر والجنابي فسألتهم عن سر الصنعة فقالوا: يصنع الخنجر من الحديد بمقبض يصنع من قرون بعض الحيوانات، ويحلى بقطع ذهبية أو فضية في حين يصنع الغمد من الخشب المغطى بالجلد او بصفائح من الفضة، واحيانا بهما معا، ويثبت الغمد بحزام من الجلد، ثم سألتهم عن الاسعار، ففوجئت بانها تتراوح بين 300 ريال و50 ألف ريال بحسب الصنعة والمعدن المغطي لها.
آبار حمى
لا وقت للراحة، شعار الرشيد الدائم، ستنطلق القافلة الى آبار حمى، وهي ثماني آبار لم يبق منها الا 5 آبار عامرة بالمياه، وسط منطقة حددتها الهيئة العامة للسياحة والآثار كمنطقة سياحية، والآبار كانت ملتقى قوافل التجارة الى عدد من الوجهات، حيث يتزود المسافرون بالمياه منها، والمنطقة بصفة عامة تعد من أبرز مواقع الرسوم والنقوش الصخرية وتشمل الرسوم الآدمية والحيوانية الى جانب الكتابات بالخط الثمودي والمسند الجنوبي والخط الكوفي، كما تحتوي المنطقة على مواقع كثيرة تعود لمراحل حضارية مختلفة وتمثل ركامات لمقابر وانشاءات حجرية وأثرية، وقد كان لاعمال المسح الأثري للنقوش في هذه المنطقة نتائج ايجابية امدت الباحثين برسومات وفيرة عن المواقع التي تم توثيقها واحتوت على نقوش صخرية متعددة ومتنوعة يمتد تاريخها الى 7000 سنة ق.م ووفرت معلومات مهمة عن حياة الانسان في تلك الفترة الذي استأنس الكلاب السلوقية واصطاد الجمال والابقار والماعز والنعام والخراف بواسطة الرماح والعصي والاقواس والسهام ذات الرسوم المزدوجة.
أقدم مزرعة للحمضيات
ومن قلب التاريخ والبحث في حضارات ما قبل الميلاد كان الموعد مع جولة في اقدم مزرعة للموالح في نجران، مزرعة عضوية، حصلت على شهادات الاتحاد الاوروبي في هذا المجال، وتعد نجران صاحبة ريادة في زراعة الحمضيات وهي امتداد لاهتمام الانسان القديم بالزراعة، ويلمح الزوار لنجران حاضرة الربع الخالي، كل ما هو متوقع من مزارع اشجار البرتقال والليمون واليوسفي والجريب فروت التي تنمو في التربة الرملية عن طريق الري بالتنقيط، وثمار الحمضيات على الرغم من ان الصحراء لا تعتبر البيئة المناسبة لها، الا انه ولاعتدال مناخ نجران وتوافر المياه الجوفية واشعة الشمس ووجود مراكز الابحاث، كل ذلك ساهم في تطور زراعة الحمضيات البالغ انتاجها نحو 85 ألف طن سنويا تسهم في سد جانب من احتياجات المستهلك السعودي.
واوضح م.علي بن عبدالله الجليل مدير مركز ابحاث تطوير البستنة قائلا: لقد قمنا بتجربة اكثر من مائة نوع من الحمضيات من فلوريدا، اريزونا، وكاليفورنيا قبل الاستقرار على 80 نوعا كانت تعتبر ملائمة لاقليم نجران من الناحيتين البيئية والتجارية، ونستمر في اجراء التجارب من اجل التعرف على الحمضيات الملائمة لظروف الصحراء وان مركز ابحاث تطوير البستنة في المنطقة يقوم بعمل الدراسات والبحوث على الامراض التي تقلق زارعي الحمضيات في المنطقة مثل حشرة صانعة الانفاق وحشرة السيليدي الآسيوية باعتبارهما اخطر آفتين تصيبان اشجار الحمضيات وتسببان خسائر اقتصادية كبيرة ايضا يكافح المركز مرض التصمغ على الحمضيات وذبابة الفاكهة.
واكد علي بن عبدالله الجليل ان مركز ابحاث تطوير البستنة في نجران يعتبر واحدا من اهم المعالم الحضارية البارزة في منطقة نجران حيث يقام فوق 160 هكتارا ويعنى باختيار وانتاج اجود اصناف واصول الحمضيات الخالية من الامراض والتي تتلاءم مع البيئة شبه الصحراوية السائدة في معظم مناطق المملكة ويعتبر هذا المركز في مصاف المراكز المعروفة على مستوى العالم العربي في مجال ابحاث وانتاج الحمضيات.
تأسس هذا المركز عام 1982 اذ لم يكن يعرف سوى انواع بسيطة من الحمضيات اما الان فان المستهلك يتناول البرتقال والسويفي والجريب فروت والليمون باصناف متعددة وبنوعيات ممتازة وذات مواسم نضج مختلفة تمتد لفترة ثمانية اشهر وقد احدث المركز خلال التجارب المستمرة في مجال الاصول والاصناف نقلة نوعية في تثقيف المزارعين لاسيما بعد ادخال الاساليب الحديثة في الزراعة كنظم الري الحديثة لترشيد استخدام المياه والمعاملات الزراعية والبستانية الصحيحة والعمل على احلال المكافحة الحيوية بدلا من الاعتماد على المبيدات الكيميائية واضرارها الجسيمة على الانسان والحيوان والبيئة اضافة الى ادخال اصناف جديدة من الحمضيات بعد ان اثبتت التجارب نجاحها كما ونوعا.