Note: English translation is not 100% accurate
في العدد الجديد من صفحة "رابطة علماء الشريعة"
د.بدر الرخيص: «الحج عرفة»
24 أكتوبر 2012
المصدر : الأنباء




صحة حج من اقتصر على الوقوف بعرفات على وقت الليل قبل فجر يوم النحر دون الوقوف في نهار التاسع من يوم عرفة
الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا حج لمن فاته الوقوف بها
يوم عرفة يكفّر الله فيه الذنوب العظام ويضاعف فيه الصالح من الأعمال
قضايا معاصرة حديث «الحج عرفة» تكاد جل كتب السنة تخرج هذا الحديث، فممن أخرجه أحمد في مسنده، وأبوداود في سننه، والترمذي في جامعه الصحيح، والنسائي في المجنبي، وابن ماجه في السنن، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وغيرهم كثير.
وهذا الحديث مما أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم، حيث أوجز الحج بـ «عرفة».
فما هي عرفة؟ التي هي الحج وأين هي، وما أهميتها بالنسبة للحاج ومكانتها للمسلمين؟
سبب ورود الحديث
جاء في رواية لأحمد: «الحج حج عرفة» من حديث عبدالرحمن بن يعمر الديلي يقول شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة وأتاه ناس من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ فقال: الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع (يعني مزدلفة) فقد تم حجه». وفي روايات الحديث «فأمر مناديا فنادى «الحج عرفة»، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج».
وأخرى «ثم أردف رجلا خلفه فجعل ينادي بهن»
وفي لفظ لأبي داود: «الحج الحج يوم عرفة».
قال أبو عيسى الترمذي في جامعه الصحيح: والعمل على حديث عبدالرحمن بن يعمر عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، أنه من لم يقف بعرفات قبل طلوع الفجر، فقد فاته الحج ولا يجزئ عنه إن جاء بعد طلوع الفجر ويجعلها عمرة وعليه الحج من قابل، وهو قول الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. قال أبو عيسى: وقد روى شعبة عن بكير بن عطاء نحو حديث الثوري، قال: وسمعت الجارود، يقول: سمعت وكيعا أنه ذكر هذا الحديث، فقال: هذا الحديث أم المناسك.
وقال الشيخ عزالدين بن عبدالسلام: تقديره: إدراك الحج وقوف عرفة.
وقال الملا علي القاري المكي: أي ملاك الحج ومعظم أركانه: وقوف عرفة، لأنه يفوت بفواته.
وقال الشنقيطي في أضواء البيان: والحاصل أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج إجماعا، وأن من جمع بين الليل والنهار من بعد الزوال فوقوفه تام إجماعا، وإن اقتصر على الليل دون النهار فوقوفه تام... لحديث «فقد أدرك الحج» أ.هـ.
أما دليل صحة حج من اقتصر على الوقوف بعرفات في وقت الليل قبل فجر يوم النحر، دون الوقوف في نهار التاسع من يوم عرفة فحديث عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بجمع (يعني بالمزدلفة) فقلت له هل لي من حج - وفي رواية فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبلي طيء أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى معنا هذه الصلاة في هذا المكان ثم وقف معنا هذا الموقف حتى يفيض الإمام، أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه».
والحديث أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، والدارمي، وهو صحيح، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فقد تم حجه» ظاهر في تمام حجه.
ولهذا أجمع الفقهاء،رحمهم الله، على أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا حج لمن فاته الوقوف بها كما حكاه ابن المنذر في كتابه الإجماع ص 57، ثم الإفاضة منها لأداء ما بقي من مشاعر الحج لقول الله تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) (198) سورة البقرة.
مشعر عرفة
عرفة وعرفات اسم لصعيد واحد ومنطقة واحدة متضمنة في وسطها جبل الرحمة.
قال ابن منظور في لسان العرب: وعرفة وعرفات: موضع بمكة معرفة، كأنهم جعلوا كل موضع منها عرفة، ويوم عرفة غير منون ولا يقال: العرفة، ولا تدخله الألف واللام، قال سيبويه: عرفات مصروفة في كتاب الله -تعالى- وهي معرفة، والدليل على ذلك قول العرب: هذه عرفات مباركا فيها، وهذه عرفات حسنة، قال: ويدلك على معرفتها أنك لا تدخل فيها ألفا ولاما. أ.هـ.
وتسمى عرفات: المشعر الحلال، والمشعر الأقصى، ويقال للجبل الذي في وسطها: جبل الرحمة، ويسمى: إلال، على وزن هلال، والنابت لأنه كالنبتة في وسط الأرض المستوية، والقرين أي تصغير القرن.
وقريش في الجاهلية كانوا لا يقفون بعرفة، وإنما المشعر الحرام في مزدلفة ويفيضون منه، والناس يقفون بعرفة. يقول أهل قريش: نحن أهل الله في بلدته وقطان بيته، فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل، فأنزل الله تعالى قوله: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) (199) البقرة.
سبب التسمية
تعددت الروايات في سبب تسميتها إلا أن تسميتها توقيفية وليست من اجتهاد البشر، ويبدو لي أن ارتباط تسميتها مع نزول أبينا آدم من الجنة إلى الأرض فعرف مع أمنا حواء ما تنزل عليه من آيات الرحمة والتوبة، ثم تاب الله عليهما، قال ياقوت الحموي: وقيل: في سبب تسميتها بعرفة: ويقال: بل سميت بذلك لأن آدم وحواء تعارفا بها بعد نزولهما من الجنة، ويقال: إن الناس يعترفون بذنوبهم في ذلك الموقف.
وساق أقوالا أخر، وكذا الفاكهي.
قال تعالى في سورة البقرة: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (36) فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم (37) قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (38) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (39).
حدودها
وردت نصوص في تحديد مشعر عرفة والتي منها:
ما رواه ابن ماجه بسنده عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل عرفة موقف وارتفعوا عن بطن عرنة»، وما رواه الأزرقي بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «حد عرفة من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبال عرنة إلى الوصيق إلى ملتقى الوصيق إلى وادي عرنة».
وقال الماوردي: وحد عرفة ما جاوز وادي عرفة الذي فيه المسجد، وليس المسجد ولا وادي عرفة من عرفة إلى الجبال المقابلة على عرفة كلها، فيقف منها عند الجبال الثلاثة النبعة والنبيعة والتائب.
قال الملا علي القاري: واعلم أنه ليس من عرفات وادي عرنة ولا نمرة ولا المسجد المسمى مسجد إبراهيم، ويقال له مسجد عرنة، بل هذه المواضع خارجة عن عرفات على طرفها الغربي مما يلي مزدلفة ومنى ومكة.
ووجوه الجبال المحيطة بعرفات داخلة في موقف عرفة، كما ذكر ذلك إمام الحرمين، حيث قال: ويطيف بمنفرجات عرفات جبال وجوهها المقبلة من عرفات.
ومسجد نمرة كان في عرنة، ولم يكن فيه شيء من عرفة، أما اليوم فقد وسعوا بناء المسجد فصار جزء منه في عرفة يجزئ الوقوف فيه، وبقيته في بطن عرنة لا يجزئ الوقوف فيه لمن لم يدخل إلى عرفة.
ووضعت الأعلام الظاهرة للعيان على حدود عرفات، ليتسنى لجميع الحجاج رؤيتها.
أبعاد عرفة
تقع عرفات جهة الشرق جنوبا من المسجد الحرام تبعد حوالي (19) كم عن طريق شارع أم القرى مرورا بالحجون والأبطح والمحصب والمشاعر منى ومزدلفة، حيث مسير النبي صلى الله عليه وسلم، وهي في الحل، بينها وبين أعلام الحرم أقل من كيلوا واحد. ويقع سوق المجار والوادي الأخضر «المغمس» جهة شمال شرق عرفات، حيث يبعد أقل من 5 كيلوات يفصل بينهما ضلع من جبل «كبكب» وهو من فحول جبال منطقة الحجاز.
ويقع وادي نعمان جهة جنوب شرق عرفات، حيث يبعد عنها حوالي (19) كم طريق الهدي الطائف، وتبلغ مساحة عرفات حوالي (19) كم2 إذا احتسبنا وجوه الجبال التي تسيل مياه أمطارها في عرفات. وفي وسط عرفات تقريبا جبل الرحمة بين طريقي 7 و8، يبلغ ارتفاعه (65م) عن صعيد عرفات، طوله شمالا (200م)، وجنوبا (170م)، وغربا (100م)، وشرقا (170م)، ومحيطه (640م)، يمر بطرفه نهر زبيدة من جهة الجنوب قادما من وادي نعمان متوجها غربا إلى مزدلفة، ويبعد جبل الرحمة عن مسجد نمرة حوالي كيلوين ونصف.
قبل دخول منسك عرفة
وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة بوادي عرنة عند قرية نمرة لهذيل، وذلك قبل دخوله موقف عرفات.
فعل أمرين:
٭ أولا: خطب في الناس خطبة الحج:
ففي وادي عرنة عند صخرات نمرة موضع خطبته، حيث المسجد الآن، وكانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة خطبة جامعة، وكانت قبل الأذان جاء فيها: «إن دماءكم وأموالكم عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث وكان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ «قالوا: نشهد أن قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها على الناس: «اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد» ثلاث مرات.
وفي رواية: «اعلموا أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، كحرمة شهركم هذا، كحرمة بلدكم هذا». وفي رواية: «أيها الناس إن الله أدى لكل ذي حق حقه، وأنه لا يجوز وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، ومن ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله له صرفا ولا عدلا».
٭ ثانيا: صلى الظهر والعصر:
حيث صلاهما النبي صلى الله عليه وسلم قصرا في وقت الأولى، فلم تكن الخطبة وصلاتا الظهر والعصر في موقف عرفة، وإنما جمعهما جمع تقديم بعد الخطبة فلما أتمها أمر بلالا فأذن، ثم أقام للصلاة فصلى الظهر ركعتين أسر فيهما بالقراءة، وكان ذلك يوم الجمعة، ثم أقام فصلى صلاة العصر ركعتين أيضا، ومعه أهل مكة، وصلوا بصلاته قصرا وجمعا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع.
ولهذا كان أصح أقوال العلماء، أن أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة كما فعلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما فرغ من صلاته ركب راحلته وتوجه إلى جبل الرحمة في عرفة، فوقف على صخرة جهة القبلة في ذيل الجبل، واستقبل القبلة وجعل طريق المشاة بين يديه.
وأمر الناس أن يرفعوا عن وادي عرنة وأنه ليس من عرفة، ثم أخبرهم أن عرفة لا تختص بموقفه ذلك بل قال: «وقفت هنا وعرفة كلها موقف».
فضل يوم عرفة
قال القرطبي في تفسيره: يوم عرفة فضله عظيم وثوابه جسيم: يكفر الله فيه الذنوب العظام ويضاعف فيه الصالح من الأعمال. وروي الدارقطني عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عددا من النار من يوم عرفة وأنه ليدنو عز وجل ثم يباهي بهم الملائكة، يقول: ما أراد هؤلاء».
وفي الموطأ عن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما رُئي الشيطان يوما هو فيه اصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رُئي يوم بدر.
دعاء يوم عرفة
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت انا والنبيون قبلي: لا اله الا الله وحده لا شريك له»، وفي رواية: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت انا والنبيون من قبلي: لا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».
وفي رواية «أفضل ما قلت انا والنبيون من قبلي يوم عرفة: لا اله الا الله وحده لا شريك له»، قال الراوي: فقيل لسفيان بن عيينة: يشتغل الانسان بهذا عن المسألة؟ فقال: نعم.
قال القرطبي: «وفائدة التخصيص بذكر الله هنا ان العرب تقصد الحج للاجتماع والتظاهر والتناضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الاسواق، وكل ذلك ليس لله فيه طاعة ولا حظ بقصد، ولا قربة بمعتقد فأمر الله سبحانه بالقصد اليه لاداء فرضه وقضاء حقه ثم سامح في التجارة.
وهذه من الادعية: وهي في «زاد المعاد» لابن قيم الجوزية، ومن كتاب «المغني» لابن قدامة:
ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة: «اللهم انك ترى مكاني، وتسمع كلامي، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من امري، انا البائس الفقير المستغيث المستجير، الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه، اسألك مسألة المسكين، وأبتهل اليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خشعت لك رقبته وذل لك جسده، وفاضت لك عينه ورغم لك انفه».
اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرا مما نقول.
اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي واليك مآبي.
اللهم اني اعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الامر.
اللهم اني اعوذ بك من شر ما تجيء به الريح.
اللهم لا تجعلني بدعائك ربي شقيا وكن بي رؤوفا رحيما يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين، لا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي صدري نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا.
اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي امري. كان ابن عمر يقول: الله اكبر الله اكبر ولله الحمد، الله اكبر الله اكبر ولله الحمد، الله اكبر الله اكبر ولله الحمد، لا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، اللهم اهدني بالهدى، وقني بالتقوى واغفر لي في الآخرة والاولى. وكان ابراهيم بن اسحاق الحربي يقول: اللهم ادعوك في مواقف الانبياء عليهم السلام، ومناسك السعداء، ومشاهد الشهداء، دعاء من اتاك لرحمتك راجيا، عن وطنه نائيا، ولقضاء نسكه مؤديا، ولفرائضك قاضيا، ولكتابك تاليا، ولربه عز وجل داعيا ملبيا، ولقلبه شاكيا ولذنبه خاشيا، ولحظه مخطئا ولرهنه مغلقا، ولنفسه ظالما، وبجرمه عالما، دعاء من جمعت عيوبه، وكثرت ذنوبه، وتصرمت ايامه، واشتدت فاقته، وانقطعت مدته، دعاء من ليس لذنبه سواك غافرا، ولا لعيبه غيرك مصلحا، ولا لضعفه غيرك مقويا، ولا لكسرة غيرك جابرا، ولا لمأمول خير غيرك معطيا، ولا لما يتخوف من حر ناره غيرك معتقا، اللهم وقد اصبحت في بلد حرام، في يوم حرام، في شهر حرام، في قيام من خير الانام، اسألك ان لا تجعلني اشقى خلقك المذنبين عندك، ولا اخيب الراجين لديك، ولا احرم الآملين لرحمتك، الزائرين لبيتك، ولا اخسر المنقلبين من بلادك، اللهم وقد كان من تقصيري ما قد عرفت، ومن توبيقي نفسي ما قد علمت، ومن مظالمي ما قد احصيت، فكم من كرب منه قد نجيت، ومن غم قد جليت، ومن هم قد فرجت، ودعاء قد استجبت، وشدة قد ازلت، ورخاء قد انلت، منك النعماء، وحسن القضاء، ومنى الجفاء، وطول الاستقصاء، والتقصير عن اداء شكرك، لك النعماء يا محمود، فلا يمنعنك يا محمود من اعطائي مسألتي، من حاجتي الى حيث انتهى لها سؤلي، ما تعرف من تقصيري، وما تعلم من ذنوبي وعيوبي، اللهم فأدعوك راغبا، وأنصب لك وجهي طالبا، وأضع خدي مذنبا راهبا، فتقبل دعائي وارحم ضعفي، وأصلح الفساد من امري، واقطع من الدنيا همي وحاجتي، واجعل فيما عندك رغبتي، اللهم واقلبني منقلب المدركين لرجائهم، المقبول دعاؤهم، المفلوج حجتهم، المغفور ذنبهم، المحطوط خطاياهم، الممحو سيئاتهم، منقلب من لا يعصي لك بعده امرا، ولا يأتي بعده مأثما، ولا يركب بعده جهلا، ولا يحمل بعده وزرا، منقلب من عمرت قلبه بذكرك، ولسانه بشكرك، وطهرت الادناس من بدنه، واستوعبت بالهدى قلبه وشرحت بالاسلام صدره، وأقررت قبل الممات عينه وأغضضت عن المآثم بصره، واستشهدت في سبيلك نفسه يا ارحم الراحمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا كما تحب ربنا وترضى، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
صوم يوم عرفة
ففي الحديث عند مسلم عن ابي قتادة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة قال: «يكفر السنة الماضية والباقية». قال المنذري في الترغيب: قال الحافظ: اختلفوا في صوم يوم عرفة بعرفة، فقال ابن عمر: لم يصم النبي صلى الله عليه وسلم ولا ابو بكر ولا عمر ولا عثمان، وأنا لا اصومه، وكان مالك والثوري يختاران الفطر، وكان ابن الزبير وعائشة يصومان يوم عرفة.
والفطر عمل اكثر اهل العلم، ويستحبون ذلك لمن وقف بعرفة ليتقوى على الدعاء، وقد قال الشافعي ذلك.
وقال ابن المنذر: الفطر يوم عرفة بعرفات احب اليّ اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والصوم بغير عرفة احب الى لقول الرسول صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن صوم يوم عرفة فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية».
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.