Note: English translation is not 100% accurate
الدعاء المأثور
إمتاع ذوي الأفهام بأدعية خير الأنام
13 ديسمبر 2013
المصدر : الأنباء

بقلم د. وليد العلى
إن من أشرف الأدعية التي يتقرب إلى الله تعالى بها الداعي، وأجمع المباني وأنفع المعاني التي يسعى في تحصيلها الساعي، ما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدعية الصحيحة، التي هي من جوامع الكلام الذي تجود به القريحة.
وإن من هذه الدعوات النبوية الشريفة، وهذه الكلمات الشافية الكافية المنيفة، ما أخرجه البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «علمني يا رسول الله دعاء أدعو به في صلاتي وفي بيتي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم».
فمن تدبر هذه الدعوة الشريفة، وتأمل معاني هذه المسألة المنيفة، وجد فيها جملة من الآداب الشرعية الحسنة، واستنبط منها بعض مراتب العبودية المستحسنة.
فتأملوا رحمكم الله قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: «علمني يا رسول الله دعاء أدعو به»، ففي هذه المسألة الجليلة استحباب طلب التعليم من العالم الفاضل، ليرشد المتعلم لجوامع الكلم حتى لا يشتغل بالمفضول عن الفاضل.
وتأملوا عافاكم الله قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: «دعاء أدعو به في صلاتي وفي بيتي»، فإنه يدل على مشروعية أن يعمر العبد صلاته وبيته بالدعاء، وأن لايزال لسانه رطبا من ذكر الله في الصباح وفي المساء.
وتأملوا وفقكم الله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم»، تجد أنها دعوة قد جمعت بين اعتراف الداعي بالحال، وصدق افتقاره وذل توسله إلى ربه الكبير المتعال.
فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا»، يدل على أن الإنسان لا يعرى عن التقصير بالعبودية، ولو بلغ أعلى منازلها وأسناها وهي منزلة الصديقية.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولا يغفر الذنوب إلا أنت»: يتضمن هذا القول نفيا وإثباتا، موافقا لما في أشرف الكلمات، وهي عروة الصديقية والولاية الوثقى (لا إله إلا الله)، فمستجلب المغفرة لا بد له من الإقرار بوحدانية الله.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني»: تضمن عظم مغفرة الله تعالى إذا وردت «مغفرة» منكرة في السياق، وزادها تعظيما بوصفها أنها من عند الغفور دون سابقة استحقاق، فهي مغفرة لا ينالها عمل العبد ولا سعيه مهما جد واجتهد، وإنما مبناها على مغفرة الله تعالى ورحمته التي وسعت كل أحد.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك أنت الغفور الرحيم»: يتضمن ذكر صفتين ختم بهما الدعاء على جهة المقابلة لما تقدم، فالغفور مقابل لقوله: «فاغفر لي» والرحيم مقابل لقوله: «وارحمني».
اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب الا أنت، فاغفر لنا مغفرة من عندك وارحمنا، إنك أنت الغفور الرحيم.
فالزم يا عبدالله هذا الدعاء وأنت مستقين بأن ربك لدعائك مجيب، وأنه يخاطبك بقوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون).
نفعني الله وإياكم بهذا الدعاء، وفتح لإجابته أبواب السماء.
الدعاء الصالح
إن الدعاء الصالح ثلاثة أقسام: لا يخرج عنها سؤال أحد من الأنام: فإما أن يتذلل لربه في حاجته، بسؤاله تعالى بأسمائه وصفاته، وإما أن يستجير إليه بمسكنته، ويلح عليه بافتقاره إليه وفاقته، وإما أن يسأله دون أن يقدم بين يدي الدعاء: ذكر افتقاره إلى غناه وأنه أهل للحمد والثناء، كان عامة أدعية النبي عليه أفضل الصلاة والسلام قد جمعت في كلماتها الجامعة بين هذه الأقسام.
فقوله صلى الله عليه وسلم: «ظلمت نفسي ظلما كثيرا» يتضمن حال هذا السائل المسرف على نفسه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يغفر الذنوب إلا أنت» يتضمن حال المسؤول المطلع على سره وهمسه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني» يتضمن تذلله لربه وافتقاره الذاتي لغناه وعطائه في جميع أحواله وحاجاته.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» يتضمن توسله لربه تعالى بأسمائه وصفاته. فالإقرار بظلم النفس لا يخلو منه أحد من المخلوقين، ولو كان المقر من النبيين وأولي العزم من المرسلين، قال آدم عليه السلام: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين). وقال موسى عليه السلام: (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم). وقال يونس عليه السلام: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين).
ومما يدل على أن ظلم النفس لا ينافي أحوال الصديقين، فلا يخرجون بالإقرار بظلم النفس عن كونهم من المتقين: ما جاء تصديقه في محكم الكتاب المبين في سورة آل عمران: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين (133) الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (134) والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين).
فجائز بحق العبد المؤمن أن يجتمع فيه الأمران، لأنه لا بد له من فتور وإعراض وغفلة وتوان.
فليتدبر اللبيب هذا الدعاء وما فيه من معارف وعبودية الخلق، وأن الحاجة إلى المغفرة والرحمة فوق الحاجة إلى الحفظ والرزق.
فإنهم إن لم يحفظوا في أموالهم وعيالهم ويرزقوا قوتهم فسيهلكون في دنياهم، وأما إن لم يغفر لهم ويرحموا فسيهلكون في أولاهم وسيخسرون في أخراهم.أمد «الإيمان» الإمام والخطيب بمسجد الدولة الكبير الشيخ الداعية د.وليد العلي بـ 30 مقالا أسبوعيا يشرح فيها طائفة مباركة من الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم على أن نمتعكم كل أسبوع بها.