Note: English translation is not 100% accurate
في الذاكرة
أم المستنصر كاتبة نهاية الدولة الفاطمية في مصر
16 يوليو 2014
المصدر : الأنباء
إعداد: ليلى الشافعي
ببزوغ شمس الإسلام، أخذت المرأة تنعم بمطلع عهد سعيد. ذلك أن الإسلام حباها بالكثير من التقدير، وأعلى من مركزها، ورفعها الى المكانة السامية الجديرة بها في المجتمع، كذلك أحاط المرأة بسياج من الحماية، وكفل لها حياة راضية مرضية. وقد ظهر في مصر في العصر الإسلامي الوسيط، نساء أظهرن مهارة فائقة ومنهن من كان لمشورتهن وآرائهن في الحكم أجل الآثار وأبلغ النتائج في حياة البلاد، ومنهن من أدرن شؤون مصر وصرفن أمرها بحكمة وبراعة حتى حفظ التاريخ لهن أجمل الذكرى. ولا شك ان في قراءة حياة شهيرات النساء اللاتي ظهرن على مسرح السياسة المصرية واستعادة ذكراهن واستقراء أخبارهن وتتبع أعمالهن، عظة وعبرة. وكان للمرأة في العصر الفاطمي شأن يذكر، فكثيرا ما تدخلت في شؤون الدولة، وأثرت على مجرى الأحداث، ومن أبرز هؤلاء النساء السيدة «أم المستنصر» زوجة الخليفة الظاهر الفاطمي أبي المستنصر.
وقد اعتلى ابنها المستنصر العرش بعد وفاة أبيه الظاهر، وهو في السابعة من عمره، وحكم مصر مدة ستين سنة، وهي أطول مدة حكمها وال أو خليفة أو سلطان في مصر في العصور الوسطى.
فتن ومجاعات
أم المستنصر سيدة سودانية، ناصرت أبناء جلدتها طول مدة حكم ابنها، حتى صار للسودانيين من العامة والجند الحظوة لديها، وكان ذلك من دواعي ذلك النزاع الطويل الذي قام بين السودان والأتراك، مما سبب الفتن والويلات والمجاعات التي سادت النصف الثاني من عصر الخليفة المستنصر الفاطمي.
قامت أم المستنصر بأعباء الحكم للإشراف على أعمال ابنها الخليفة، لصغر سنه، ولم يكن له أي نفوذ في البلاد، بل كان مسلوب السلطة، ينحصر النفوذ والسلطان في يد أمه، التي كانت تقيم آن ذاك في «قصر اللؤلؤة» الذي بناه زوجها الظاهر، ويمتاز بحسن موقعه، إذ كان الجالس فيه يتمتع بمنظر خلاب لرؤيته مياه النيل تجري خلف هذه الحدائق، واعتبر لذلك من أحسن متنزهات العالم.
وقد ظهرت القاهرة، في أوائل عهد ابنها المستنصر بمظهر القوة وفاقت غيرها من مدن العالم الإسلامي في العظمة والعمران، وكانت أسواقها ملأى بالتحف النفيسة، وكان الأمن مستتبا والهدوء شاملا، يدل على ذلك ما ذكره الرحالة الفارسي ناصر خسرو، من ان كل الفنادق والحوانيت والحمامات كانت ملكا للخليفة، واتسعت رقعة الامبراطورية الفاطمية اتساعا عظيما.
غير ان مصر لم تتمتع بالرخاء طويلا، فقد استقلت بلاد المغرب عن الدولة وتلتها بلاد اليمن، وحلت بالقاهرة تلك الأيام السود، التي تعرف في التاريخ باسم «الشدة العظمى». وقد يبدو عجيبا ان تحدث مجاعة في عصر الفاطميين، الذين بلغت البلاد في أيامهم حالة من الثراء، أصبحت معها مضرب الأمثال في سائر الأقطار.
ودونت عن مصائب هذا القحط والغلاء القصص المروعة، حتى قيل انه كان يموت في مصر كل يوم عشرة آلاف نفس، وعدمت الأقوات حتى أكل الناس القطط والكلاب، ثم خطف بعضهم بعضا، وبيع لحم الإنسان عند الجزارين، وأكل الناس الجيف، ووقفوا في الطرقات يأكلون من ظفروا به، ويخطفون الناس بالكلاليب، وحصد الطاعون الناس بمنجله حصدا ذريعا، واكتسح الدور دارا بعد دار، لا فرق بين عظيم وحقير، بل نالت المصائب الجميع على السواء، حتى ان الخليفة المستنصر نفسه باع أثناء تلك الشدة جميع ممتلكاته، وما في قصره من ذخائر وتحف وملابس. ولما اشتد به الضيق باع مقادير لا تحصى من البلور والجواهر والياقوت.
وتصادف في وقت حدوث تلك الشدة التي استمرت سبع سنوات، وقوع النزاع بين الجند السودانيين الذين كانت تعتمد عليهم أم المستنصر السودانية الأصل وعددهم عشرة آلاف، وبين الجند الأتراك الذين كان يرأسهم ناصر الدولة بن حمدان، على اثر محاولة أحد الأتراك قتل أحد السودانيين، الذين كانوا في حاشية المستنصر خارج القاهرة، فهجم عليه بعض العبيد وقتلوه، فاستاء الأتراك مما حدث، وأظهر لهم المستنصر براءته من الحادث، ولكن الأتراك ثاروا نتيجة ذلك التحدي من جانب السودانيين، وخلال ثورتهم نهبوا المدن، وأتلفوا قصور الخلفاء الجميلة، وبددوا المجموعات الفنية والأحجار الكريمة والمجوهرات، وأغاروا على المكاتب المنقطعة النظير حتى تلاشت أغلب الكتب التي كانت في مكتبة القصر وفي دار العلم.
منظر محزن
وقد كانت الشدة العظمى وثورة الأتراك، سببا في ازدياد حالة الخليفة المستنصر وأمه سوءا، حتى ان رسول الخليفة القائم العباسي عند حضوره من بغداد الى القاهرة، رأى المستنصر جالسا في احدى حجرات القصر على حصيرة بالية لابسا قبقابا وحوله ثلاثة من الخدم، وتأثر الرسول من هذا المنظر المحزن، ولم يتمالك نفسه من البكاء وأخبر ناصر الدولة بن حمدان زعيم الأتراك بما رآه، ومنح الخليفة مئة دينار في كل شهر، أما أم المستنصر، فقد قبض عليها ناصر الدولة، وأخذ منها أموالا وفيرة، ولكنها تمكنت من الفرار هي وبناتها الى بغداد، وهكذا اختفت أم المستنصر من المسرح السياسي في مصر، بعد ان اشتركت في حوادث عصر المستنصر اشتراكا فعليا، واعتبرت مسؤولة الى حد كبير عن وقوع تلك الفتن الجانحة إذ حكمت عاطفتها بدل عقلها، ولو انها لم تتحيز لأحد العنصرين المتنازعين من الأتراك والسودانيين، ووزنت الأمور بمعيار الحكمة، لأمكن تجنب تلك الكوارث، التي أودت في النهاية بكيان الدولة الفاطمية، تلك الدولة الشيعية الفتية التي نافست الدولة العباسية السنية المتداعية.