Note: English translation is not 100% accurate
معارف ولطائف.. بقلم:خالد الخراز
2 يوليو 2015
المصدر : الأنباء
المال والناس
قال تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ـ آل عمران: 14).
وقال عز وجل: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ـ الكهف: 46).
المال محبب للناس، ولهم فيه آراء، وفي طرق إنفاقه مبادئ، وفي ادخاره وكنزه أساليب، وكذلك لهم فيه حيل، وفي استثماره، وإنمائه فنون، وللغني فيه أقوال، وللفقير معه مواقف، ومن المعروف ان إقبال الدنيا على إنسان معين يعني وفرة المال لديه الى جانب أمور أخرى، ومن أدبرت عنه فأول علامات إدبارها قلة ذات اليد، فلذا تجد الناس يتمنونه رغم ما له من تبعات، ويتقربون من صاحبه لشأن لا يخفى، وقد قال الشاعر:
يسقط الطير حيث ينتثر الحب
وتغشى منازل الكرماء
وقال أبوالعتاهية:
ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها
فكيف ما انقلبت يوما به انقلبوا
يعظمون أخا الدنيا وإن وثبت
يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا
وربما يبتعد الناس عن الفقير ولو كان قريبا، وبهذا المعنى قال الناظم:
وكان أخلاني يقولون مرحبا
فلما رأوني معدما مات مرحب
والناس في نظرتهم للمال متباينون، فمنهم من يعتبره غاية كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: «يأتي على الناس زمان، لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام» رواه البخاري، وفي الحديث الآخر: «تعس عبد الدينار والدرهم» يعني: إن طلب ذلك، وقد استعبده وصار عمله كله في طلب الدينار والدرهم كالعبادة لهما.
ومنهم من يعتبره وسيلة ويتصرف بناء على اعتباره الخاص به، ويتبع ذلك ما يتبعه من أخلاق رفيعة عند من يعتبره وسيلة، وأخرى منحطه عند من يعتبره غاية.
وبعض الناس يستخدم المال ويكون سيده ويتحكم به كما تقتضيه مصالحه في الدنيا والآخرة، ويكون بمنجى من كل عواقب الاستعمال المنحرف للمال.
وفي الحديث: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» وكذلك جاء في الحديث المرفوع: «رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق».
قال بعض أهل العلم: إنفاق المال في حقه ينقسم ثلاثة أقسام: فالأول ان ينفق على نفسه وأهله، ومن تلزمه نفقته غير مقتر عما يجب لهم، ولا مسرف في ذلك (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ـ الفرقان: 67).
والقسم الثاني: وهو أداء الزكاة، وإخراج حق الله تعالى لمن وجب له.
والقسم الثالث: وهو صلة الأهل البعداء ومواساة الصديق، وإطعام الجائع، وصدقة التطوع كلها فهذه نفقة مندوب اليها مأجور عليها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الساعي على الأرملة واليتيم كالمجاهد في سبيل الله»، فمن أنفق في هذه الوجوه الثلاثة فقد وضع المال في موضعه، وأنفقه في حقه، ووجب حسده.
وهذا هو الذي يجب ان نقتدي به إذ تجده لا يسرف ولا يقتر، وما ذاك إلا لمعرفته بوظيفة المال في الحياة، ومعرفة نفسه وعلاقتها بهذه النعمة، فهو ليس بمالك أبدي له، بل هو بأحسن الحالات عبارة عن وكيل على هذا المال، بل يتحول أحيانا الى أصحاب حق الإرث من بعده، وبما اننا أموات كلنا فليس لأحد حق التملك الأبدي والملك الحق لله الذي يرث الأرض ومن عليها، وقد صدق الناظم حيث يقول:
نفسي التي تملك الأشياء فانية فكيف أبكي على شيء إذا فنيا وصاحب الاعتبار الثاني وهو الذي يعتبر جمعه غاية ويحب المال للمال فهذا الذي انحرفت طبيعته وجهل الغرض الحقيقي للمال، فتراه في سبيله يكدح ويشقى وعندما يظفر ببعضه يركبه الطمع به فيورده الهلاك، وبئس المورود، وقد يزداد انحرافا فيطغى فيؤخذ بذلك وما جمع وكأنه لم يغن بالأمس، وما قارون إلا مثال يتردد ذكره عبر الأجيال ليكون عبرة، ولكن كما يقال: ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار! ويبتلى محب المال بالحرص عليه، وهذا ما يعرف بالبخيل الذي لا يبالي في سبيله بأي عرف، بل ينسف الأعراف.
أما الآخرون ممن يعيشون الفقر والحرمان فلهم مع المال شؤون، فمنهم من يرضى بالمقسوم بعد اتخاذ الأسباب ويعتبر القناعة كنزا ويعيش عيش الكفاف ويعتبر ذلك نعمة ويشكر الله عليها، وهناك من هو أشد فقرا تجده يتعفف ويقوم أهل الخير بمنحه حقه الذي كتبه الله له في الزكاة، قال تعالى: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا ـ البقرة: 273).
ومنهم من يسخط على الناس ويسير في الجادة التي تؤدي الى الضياع، ومنهم من يسأل الناس تكثرا من غير حاجة، ويستمرئ هذه العادة ويريق ماء وجهه حتى يجف، ثم لا يروعه عن ذلك ذل السؤال، وفي الحديث: عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يزال الرجل يسأل الناس، حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم» رواه البخاري.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل الناس أموالهم تكثرا، فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر» رواه مسلم. فهؤلاء هم الناس وهذه شؤونهم مع المال.