بقلم: أ.د.وليد محمد عبدالله العلي استاذ الشريعة والدراسات الاسلامية بجامعة الكويت وإمام وخطيب المسجد الكبير بدولة الكويت
[email protected]
على المسلم أن يحرص كُلَّ الحرص على الاقتداء بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الصَّلاة، فيُصلِّي العبد كما كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُصلِّي، مع إعراضه عمَّا أحدث النَّاس في صلاتهم من الزِّيادة والنُّقصان والأوضاع التي لم يُنقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه فعل شيئاً منها؛ وما رواه أحدٌ من أصحابه رضي الله عنهم في صفة صلاته، فالله سُبحانه وتعالى إنَّما أمر بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم واتِّباعه وحده، ولم يأمر باتِّباع غيره، وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّما يُطاع: إذا أمر بما أمر به الرَّسول صلى الله عليه وسلم، فكُلُّ أحدٍ سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم: مأخوذٌ من قوله ومتروكٌ، وقد أقسم الله سُبحانه وتعالى بنفسه الكريمة: أنَّه لا يُؤمن أحدٌ حتَّى يُحكِّم رسوله صلى الله عليه وسلم؛ مع الانقياد لحُكمه؛ والتَّسليم لأمره، كما قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾.
وأن يشهد مُراقبة الله تعالى؛ وذلك بأن يُؤدِّي العبد شرائع الله تعالى كأنَّه يراه، وهذا المشهد إنَّما ينشأ من كمال إيمان العبد بالله تعالى ومعرفة أسمائه الحُسنى وصفاته العلى، فمن راقب الله تعالى مُستحضراً ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه: فإنَّه يعبد الله تعالى كأنَّه يراه، فإن لم يكن يراه: فإنَّه يعلم أنَّ الله سُبحانه يراه؛ وهُو فوق سماواته مُستوياً على عرشه، يتكلَّم بأمره ونهيه، ويُدبِّر أمر الخليقة، فينزل الأمر من عنده ويصعد إليه، وتُعرض عليه أعمال العباد وأرواحهم عند الوافاة ، فيشهد هذا العبد: ربًّا حيًّا؛ وإلهاً قيُّوماً؛ سميعاً بصيراً؛ عزيزاً حكيماً، آمراً ناهياً، يُحبُّ ويُبغض، ويرضى ويغضب، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يُريد، وهو فوق عرشه لا يخفى عليه شيءٌ من أعمال العباد ولا أقوالهم ولا بواطنهم، بل يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصُّدور، فيشهد ذلك كُلَّه بقلبه، فمشهد الإحسان: هُو أصل أعمال القُلوب كُلِّها، لأنَّه يُوجب الحياء والإجلال والتَّعظيم والخشية والمحبَّة والإنابة والتَّوكُّل والخُضوع والذُّلَّ لله سُبحانه وتعالى، ويقطع الوسواس وحديث النَّفس، ويجمع القلب والهمَّ على الله تعالى، فحظُّ العبد من القُرب من الله تعالى: على قدر حظِّه من مشهد الإحسان، وبحسبه تتفاوت الصَّلاة؛ حتَّى يكون بين صلاة الرَّجليْن - المُتجاوريْن في صفِّ الصَّلاة - من الأجر والفضل وتكفير السَّيِّئات: كما بين السَّماء والأرض، وقيامُهما وركوعُهما وسُجودُهما: واحدٌ، وهذا المشهد العظيم: يستدعي توكُّل العبد على الله تعالى في تحقيقه، كما قال الله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.