إن ظفر عباد الرحمن بعزة النفس له أسباب، مثل الأعمال الصالحة والكلام المستطاب، كما قال رب الأرباب في محكم الكتاب: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور).
فالعزيز هو كل من اجتهد في ان يعز نفسه بالطاعة والذليل من دس نفسه بالمعصية والتفريط والإضاعة، قال أبوعثمان سعيد بن اسماعيل الحيري رحمه الله تعالى: «حق لمن أعزه الله بالمعرفة: ألا يذل نفسه بالمعصية» أخرجه الاصبهاني.
والعزيز من تجمل بالعفو عن المسيئين وتخلق بالصفح والحلم عن المخطئين، فإن ذلك من أسباب العزة والتمكين، فعن ابي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع احد لله إلا رفعه الله» اخرجه مسلم.
فمن اصابه الظلم او احاط به القهر فإن ربه يؤيده بالعزة إذا تدثر بالصبر.
وإذا سوّل للمؤمن عدوه الشيطان اللعين بأن هذا العفو والصبر تذلل للمخلوقين، فليرغمه بأن هذا خضوع لرب العالمين، والمؤمن بهذا الخضوع لمولاه عزيز مكين.
فشتان ما بين هذه العزة التي هي شعبة من شعب الايمان، وتلك العزة المزعومة التي هي شعبة من شعب الاثم والعدوان، فإن عزة الايمان والدين: في وصية رب العالمين، لخاتم الانبياء والمرسلين: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين).
وأما عزة الاثم والجور والفساد فهي الموصوف بها شر العباد: (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد).
فهنيئا لعبد اعزه الله تعالى بعد ذلة، فصارت هذه العزة خلة له وجبلة، فهو يعفو عمن ظلمه، ويصفح عمن خصمه:
مُتيم بالندى لو قال سائله
هب لي جميع كرى عينيك لم ينم
وبؤسا لعبد تشبع بما لم يعط من العزة والفخر، فهو والعياذ بالله تعالى كلابس ثوبي الزور والكبر، يسكب ناصحه على خديه حزين دمعته، ولا يبكي البائس على غلظ قلبه وقسوته:
تبكي علينا ولا نبكي على احد
فنحن اغلظ اكبادا من الابل
اخرج البخاري ومسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى: غنى النفس».
فمن حفظ شرائع دينه حفظه الله ومولاه، ومن تعزز برسوم ملته أعزه البارئ واجتباه.
* الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية