إن الإسلام جاء لينتقل بالبشرية جميعا بتعاليمه السمحة الى حياة مشرقة بالفضائل والآداب، واعتبر الإسلام المراحل المؤدية الى هذا الهدف النبيل من صحيح رسالة وعدم الإخلال بها خروجا عليه وابتعادا عنه.
يقول ربنا تبارك وتعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون ـ الأحقاف: 13 و14)، فليست الأخلاق من مواد الترف التي يمكن الاستغناء عنها وإنما هي أصول الدين والحياة التي يرتضيها ويحترم ذويها.
ولقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم الى عبادات شتى واقام دولة ارتكزت على جهاد طويل ضد اعداء كثيرين، وكان مع سعة دينه وتشعب نواحي العمل امام اتباعه يخبرهم بأن ارجح ما يوضع في موازينه يوم الحساب «هو الخلق الحسن» وهو المسبار الذي لا يخطئ.
فالطابع العام للإسلام هو الطابع الأخلاقي الذي هو ثمرة العقيدة والشريعة ذلك لأن الدين في مفهومه هو حسن الخلق.
روى البخاري في الأدب المفرد قال صلى الله عليه وسلم: «الاسلام حسن الخلق».
ومن السلف من يعد الدين هو الاخلاق الكريمة، فقد تعترض ابن عباس رضي الله عنه لتفسير قول الله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم)، قال المعنى: لعلى دين عظيم لا دين احب الي ولا ارضى عندي منه وهو دين الاسلام.
وقال الامام بن القيم: «الدين كله خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين».
وقال ابن عباس «لكل بنيان أساس وأساس الإسلام حسن الخلق».
ولقد اقبل رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار من بين يديه فقال يا رسول الله ما الدين؟ قال صلى الله عليه وسلم: حسن الخلق، ثم أتاه الرجل من قبل يمينه وقال: يا رسول الله، ما الدين؟ قال صلى الله عليه وسلم: حسن الخلق، ثم أتاه من قبل شماله وقال: يا رسول الله، ما الدين؟ فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم: حسن الخلق، ثم جاءه الرجل من ورائه وسأله: يا رسول الله، ما الدين؟ فالتفت إليه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له: أما تفقه: هو أن لا تغضب.
ولعل هذا يتفق مع ما يراه علماء الاجتماع والاخلاق من ان الاخلاق ترجع الى قيم ثلاث هي: الجمال والحق والخير، وان الدين هو القوام عليها والداعي إليها والحارس لها.
وقال الامام الغزالي في احيائه: «ولا تصدر هذه الاخلاق الا لمن توفرت فيه اصول اربعة: الحكمة والعدل والشجاعة والفقه»، وهذه الاربعة هي الاصل وما عداها هي الفروع ولم تكتمل الا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي صدق فيه قول ربه (وإنك لعلى خلق عظيم).
وهذه الاخلاق التي سار على هداها سلفنا الصالح رضي الله عنهم، فأذابت الفوارق وقربت المسافات.
يقدم امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مكة فصنع له صفوان بن امية طعاما فجاء بجفنة عظيمة يحملها اربعة من الرجال الأشداء ووضعت بين يديه والقوم معه فهموا بالأكل وقام الخدم وقوفا، فقال عمر رضي الله عنه في غرابة: مالي أرى خدامكم لا يأكلون معكم وترغبون عنهم؟ فقال سفيان بن عبدالله: لا والله يا أمير المؤمنين، لكننا نستأثر عليهم، فغضب عمر رضي الله عنه غضبا شديدا ثم قال: ما لقوم يستأثرون على خدامهم فعل الله بهم وفعل، ثم قال للخدام: اجلسوا فكلوا، فقعد الخدم يأكلون مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قال الشافعي:
إذا شئت أن تحيا سليما من الأذى
وحظك موفور وعرضك صين
لسانك لا تذكر به عورة امرئ
فكلك عورات وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك معايبا
فصنها وقل يا عين للناس أعين
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى
وفارق ولكن بالتي هي أحسن