يقول الحق جل وعلا في سورة آل عمران: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا)، أمر يليه نهي، إنه أمر بالوحدة مقرون بنهي عن الفرقة.
وعلى المؤمن ان يلتزم بأوامر الله ونواهيه، ليكون بحق عارفا نعم الله عليه، ويتذكر انه قبل ان يشع عليه نور الإسلام وهديه كان متخبطا في حياته يؤرقه العداء، وتحركه البغضاء، فصار بفضل من الله ونعمته هانئ البال، مطمئن القلب في ظل المحبة والإخاء والوحدة والصفاء وهي كلها من دعائم الإسلام هذا الدين العالمي الذي يدعو الناس، كل الناس الى الانضواء تحت لوائه ليكونوا أمة قوية متماسكة لا تعترف بجنس او تتقيد ببيئة، أمة متعاونة يتحلى أتباعها بروح الأخوة في أسمى صورها، فبعد ان انتزع من نفوسها التي كانت موزعة تمزقها أحقادها، انتزع منها دواعي العصبية البغيضة وحارب كل أسباب التفرقة المؤدية الى الاختلاف والتنازع، وهما حتما مؤديان الى الفشل والوهن، وتشتت القوة.
وهنا نسمع القرآن الكريم مذكرا المؤمنين برحمة ربهم وفضله إذ جعلهم أولياء بعد ان كانوا أعداء، موحدين بعد ان كانوا مشتتين، إن دعوة الإسلام متكررة الى تحقيق الإخاء الإنساني، ولن يتحقق الا اذا التقت القلوب على حب وصفاء وتماسكت حتى لا تتصدع فيكون التخاذل والاختلاف وتتهيأ الفرصة ليفتك بهم الأعداء.
إن الإسلام حريص على ان يظل الصف المسلم قويا متماسكا، لذا فإنه يحارب التصدع المؤدي الى الضعف والوهن، ليظل المجتمع المسلم قائما على أسس متينة من التضامن والوحدة والمواساة والتآخي والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله، يلتزم أفراده بأمر ربهم القائل في محكم التنزيل: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر).
وبهذا قام المجتمع الإسلامي قويا ينبذ من بين صفوفه كل متخاذل أو شاذ عن الجماعة، وكان هذا المجتمع مثاليا في حضارته، وكان مشعل نور يهدي العالم في دياجير الظلمات وأدى للإنسانية خيرا كثيرا تحت راية التوحيد الخالص، وفي ظلام من الإيمان الصادق، وكان أفراده كما نعتهم القرآن الكريم بقوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يُلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون).
فحققوا بإيمانهم ووحدتهم وولائهم كل أسباب السعادة والقيادة: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».