مازلنا بين يدي سورة «المؤمنون» تلك السورة التي ما ان أنزلت حتى دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم أعطنا ولا تحرمنا وزدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا...».
بين فيها الله تعالى عشر آيات منها عن الجنة وهي من البشارات العظيمة، وبين لنا صفات المؤمنين، ثم عرجت بنا الآيات لتبين أحوال الكافرين بعد بيان أحوال المؤمنين وبضدها تتمايز الأشياء، ثم أخذتنا السورة في رحلة بالأدلة الكونية، ومرت بنا بآيات خلق الله وتحدثت عن تاريخ البشرية وأحوال الرسل وبينت السنن الالهية التي جعلها الله حتما على الأمم.
حقيقة الإيمان
لا يمكن أن يكون هناك إيمان بلا عمل. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا ينفع قول إلا بعمل ولا عمل إلا بقول ولا قول وعمل إلا بنية ولا نية إلا بموافقة السنة.
فالإيمان هو قول وعمل وقول القلب وقول اللسان وعمل القلب وعمل اللسان وهو الاعتقاد والتصديق، وهذا قول القلب وعمله هو الإخلاص والحب والخوف والرجاء وسائر أعمال القلوب، وقول اللسان هو الإقرار بالشهادتين والنطق بها وعمل الجوارح ما لا يؤدى الا بها وهي نابعة لأعمال القلوب ولازمة لها.
فالإيمان قول وعمل واعتقاد، والعمل شرط كمال فيه.
أحبك أكثر من نفسي
محبة رسول الله تحتاج الى مجهود، وكلما زاد إيمان المسلم زادت محبته للنبي صلى الله عليه وسلم فمحبته قربة وطاعة. يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا بعض أصحابه وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بيدي ومشي فوجدت نفسي أقول: والله يا رسول الله إني أحبك.
فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : أكثر من أهلك يا عمر؟ قلت نعم يا رسول الله، أكثر من ولدك؟ نعم يا رسول الله، أكثر من مالك؟ نعم يا رسول الله، أكثر من نفسك؟ لا يا رسول الله، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم لا يا عمر لا يكتمل إيمانك حتى أكون أحب اليك من نفسك وأهلك وولدك والناس أجمعين فيذهب عمر ويعود ويقول والله يا رسول الله لأنت الآن أحب اليّ من نفسي وأهلي وولدي والناس أجمعين، فيقول: الآن يا عمر، الآن يا عمر اكتمل إيمانك.
بعض آثار الأكل الحرام
كما ورد في الأحاديث أن أكل الحرام له آثار عدة منها:
1 - يسلب البركة من المال ويؤثر على الذرية (فلينظر الإنسان الى طعامه).
2 - طريق للمعصية والبعد عن الله.
3 - يعطل الأعمال ويحبطها.
4 - يورث القلب ظلمة (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون).
5 - التخبط في السلوك، حيث يشبه القرآن الكريم آكلي المال المحرم عن طريق الربا بأنهم يتخبطون (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.... الآية)، والغالب في المال الحرام أن يأتي عن طريق الربا أو عن طريق الرشوة والسرقة والغصب.
6 - ورد في الكتاب والسنّة النهي عن الربا والوعيد الشديد ما لم يرد في غيره من الذنوب، كما أن الرشوة ملعون صاحبها.
7 - أكل الحرام يؤدي الى خذلان الله لآكله فلا يستجيب دعاءه مهما توافرت أسباب الاستجابة.
8 - المال الحرام يفتح أبوابا للشيطان فيها الشر والفساد والهلاك وتردي الأوضاع الأسرية.
9 - أكل الحرام يغلف قلب صاحبه فلا يفقه شيئا من المحرمات والممنوعات ويزين له الشيطان هذه السبل فيحبها.
تحري الحلال
(يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) الأمر بالأكل الحلال الذي لا شبهة فيه على التحقيق أمر الله به الرسل جميعا وهو أمر للمؤمنين في هذه الأمة التي هي خير الأمم.
وكثير من المسلمين ابتلي بالتغافل عن الأكل الحلال، فإذا كان المال الذي اشترى به الاكل في أصله حرام، فإنه خبيث، والمعروف ان الطيب كل ما أحله الله والخبيث كل ما حرمه الله، فما الذي يعطلني عن تخليص نفسي من أي شبهة حرام.
«أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة» وكثير من الناس في هذا الزمان لا يتورعون عن أكل الحرام بمختلف الطرق ويغفلون عن آثاره الكبيرة عليهم في الدنيا والآخرة.
أكثر الناس إيماناً بالله أكثرهم خشية منه
(إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون) أي هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من الله خائفون منه وجلون من مكره بهم.
يؤتون الإخلاص ويخافون الا يقبل منهم وهم يؤمنون بآياته ولا يشركون به وهم يأتون الطاعات ما استطاعوا ولكنهم مع ذلك كله (يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أانهم الى ربهم راجعون) لإحساسهم بالتقصير في جنب الله بعد أن بذلوا ما في طوقهم وهو في نظرهم قليل.
وهذا ما وضحه الرسول في الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله (والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة) هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: لا يا بنت الصديق ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل، هذا هو فعل الايمان في القلوب اذا استمكن فيها.
أمة واحدة
(وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) هذه حقيقة الدين، الدين واحد لم يتغير والرسل كلهم أمة واحدة وما يجمع الناس دين عظيم.
فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديه فرحون) أي الأمم الذين بعث اليهم الأنبياء كل حزب بما لديهم فرحون أي يفرحون بما هم فيه من ضلال لأنهم يحسبون أنهم مهتدون (فذرهم في غمرتهم حتى حين) أي الى حين هلاكهم. وصف الله تعالى غفلتهم وجهالتهم بالغمرة كأنهم أماتوا أنفسهم، كأن يغمر الإنسان بالماء.
الأكل الحرام
في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وان الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم، وقال: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام يمد يديه الى السماء يا رب يا رب فأنى يستجاب له»، وهو يدل دلالة واضحة ان دعاءه الذي هو أعظم القرب لم ينفعه لأنه لن يأكل من الحلال ولم يشرب منه ولم يركب منه.
الله عادل
(أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين) ظن هؤلاء ان عدل الله في خلقه ميزة لهم على المؤمنين ولا يدرون أن من اجتهد في هذه الدنيا فهو موفق ويعطى مقدار اجتهاده، ومن تقاعس وتراكن فلن ينال بعد الدنيا خيرا وان كان على خير فبفضل (لا اله الا الله) التي تنجيه، فالدنيا دار زرع، والآخرة دار جني وحصد.
فعدل الله مع الكافر يغره فيظن أن هذه الاموال انما جاءت من كسبه كما قال قارون «إنما أوتيته على علم عندي» والله يستدرج هؤلاء بزيادة العطاء، وهذا ابتلاء وامتحان يغدق الله عليهم من الدنيا حتى يغتروا بها أكثر. يقول ابن كثير: لا يعتبر الناس بأموالهم وأولادهم ولكن اعتبارهم بالإيمان والعمل الصالح.