- يجوز مخالفة إجماع العلماء لمصلحة
- أثناء تواجدي في أوروبا سألوني عن اقتناء الكلاب فعرضت عليهم رأي الإمام مالك الذي لا يعتبرها نجسة
تتسع كثير من المسائل والقضايا للآراء الفقهية المتعددة فهل للفقيه عند سؤاله ترجيح اي من هذه الآراء ام عليه الاكتفاء بعرضها فقط؟ وأيها يتبع السائل؟ وقد يميل بعض الناس الى أمر معين فإذا سأل المفتي وقال له بخلاف ما يريد لم يعتد برأيه ويتبع غيره حتى يصل الى من يقول له بما يريد، فما مشروعية ذلك؟ وهل الترجيح بين المذاهب الفقهية مسألة نسبية لا إشكال ان يترجح عند عالم ما لا يترجح عند غيره؟ هذا ما يوضحه لنا عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية سابقا ورئيس جمعية الاصلاح د.خالد المذكور.
ما حكم الترجيح بين الآراء الفقهية بالنسبة للمستفتي وهل يعتبر ضرورة؟
٭ الأفضل والأحسن ان تعرض جميع الآراء بأدلتها على المستفتي ويجوز للفقيه ان يرجح احد هذه الآراء والأقوال المعتمدة على الأدلة والنصوص الصحيحة أو تعتمد على القياس فيما يخص القضايا المعاصرة التي لم يرد بشأنها نص صريح، وهذه القضايا العصرية يرجع فيها الى ما يسمى بـ «الأدلة العقلية» وهي القياس والإجماع وثوابت وأسس ومبادئ الشريعة الإسلامية، والفقيه الذي يعرض هذه القضايا يجوز له ان يرجح رأيا على آخر، اما غير الفقيه فيستطيع ان يأخذ بأي قول من الأقوال المستندة الى الأدلة السابقة والتي تحدثت عنها. وان عرض جميع الأقوال أمر لابد منه والذي يرجح هو الفقيه «إن طلب منه ذلك» أما غير الفقيه فتعرض عليه الأقوال الشرعية القوية وليست الشاذة أو الضعيفة وانما تعرض عليه الآراء المستندة الى أدلة وخاصة إذا كانت صادرة عن جمهور الفقهاء لكن الفقيه يستطيع أو يجوز له ان يرجح وله ان يخالف جمهور الفقهاء لأن ذلك يدخل فيه تكييف الفقيه للقضايا العصرية والمصالح فهناك قضايا كانت في عصر ما «راجحة» لكنها أصبحت الآن غير راجحة.
ومن حق المسلم ان يأخذ بأي من الأقوال الفقهية التي تعرض في اي قضية بشرط ان تعرض على المستفتي آراء ليست ضعيفة ولا شاذة بمعنى تعرض عليه الأقوال الفقهية بحسب قوة الدليل، فالمسلم العادي ولو كان مثقفا لكنه ليس فقيها أو متخصصا فله ان يأخذ من الآراء ما يطمئنه الى الفقيه الذي قال هذا الكلام، اما المتخصص فيجوز له ان يرجح الرأي الذي يراه قويا أو أقوى او أنسب من الآراء الفقهية الأخرى.
ملزم لنفسه
هل ترجيح المفتي أو الفقيه ملزم للمستفتي ام انه استشاري؟
٭ ترجيح الفقيه ملزم لنفسه فعندما يسألني شخص عن الحكم في قضية ما ويطلب مني الترجيح اطمئنانا لي او حسب التعبير السائد «وما الأحسن والأفضل في تلك الأحوال لأني محتار؟ عندئذ أعطيه ترجيحي الشخصي فأقول له: قول فلان هو الأحسن والأفضل، وبالتالي فالمستفتي يطمئن له لأنه يسأل متخصصا لكن ترجيحي الشخصي لرأي فقهي ما لا يمنع أبدا من ان الأقوال الأخرى صحيحة، ففي المسائل الاجتهادية يستطيع الإنسان الأخذ بالرأي المناسب حسب حاله وبيئته، فالرسول صلى الله عليه وسلم جاءه شاب وقال له قبلت امرأتي وأنا صائم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أعد صيام هذا اليوم، فلما جاءه أحد كبار السن بنفس الفعل والسؤال قال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس عليك شيء.
ومثال على ذلك ان هناك أقوالا عدة في حكم نجاسة الكلب وهل الكلاب نجسة أم لا؟ وتعددت الأقوال لكن الإمام مالك ـ رحمه الله ـ قال: الكلب ليس نجسا، وعندما ذهبت إلى أوروبا وجدت الكلاب تعيش مع الناس في بيوتهم وتشاركهم حياتهم ويعاملونها كأبنائهم، والمسلمون في أوروبا يعانون من هذه المسألة ويجدون حرجا من التعامل مع الكلاب فلذلك قدمت لهم قول الإمام مالك لأنه أوسع وأفضل لهم ويرفع عنهم الحرج ومناسب لحالتهم.
فهناك أقوال فقهية متعددة أمام المستفتي الذي قد يطلب من الفقيه ترجيح أحدها لكن هذا الترجيح ليس ملزما لهذا الشخص الذي يطلب الفتوى وقد يترك رأي الفقيه بعد الترجيح ويأخذ بالآراء الأخرى القوية فهناك في الفقه الإسلامي أقوال ضعيفة وشاذة لا ينبغي ارباك المستفتي بها بل يجب تحذيره منها.
إجماع العلماء
كيف يمكن التعامل مع إجماع العلماء الذي يتغير حسب الزمان والمكان؟
٭ اذا كانت المسألة تخص أمورا لا تتغير بتغير الزمن فيؤخذ بإجماع العلماء منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة أو عمل أهل المدينة الذي هو مصدر من مصادر التشريع عند الإمام مالك لكن هذا المصدر لا يؤخذ به لأن أهل المدينة تغيروا وتبدلوا، لكن اذا كان «إجماع العلماء» في قضية لا تتغير بتغير الزمان والمكان فيجب الالتزام به ولذلك يقولون الأدلة الكتاب والسنة والإجماع في بعض المسائل البديهية كحكم الصلاة وبأنها واجبة والحكم يأتي بدليل من القرآن والسنة واجماع المسلمين على هذا الأمر، لكن في القضايا المعاصرة التي اما ان يؤخذ فيها بعموم الكتاب (القرآن) وعموم السنة أو باجماع العلماء المعاصرين من خلال المجامع الفقهية والندوات وأصبح عرفا الآن ان يقال: حكم هذه القضية قرره مجمع الفقه الإسلامي الدولي أو مجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي أو دار الإفتاء او لجان الفتوى ويسمى هذا بالاجتهاد الجماعي، فالإجماع في هذا العصر اما ان يكون بإجماع العلماء في الوقت الحاضر، او بأغلبية العلماء مع ذكر أقوال بقية العلماء «الأقلية» ويؤخذ بهما حسب قوة الأدلة، فقد تختلف القضايا باختلاف البينات والزمان والمكان، فكان عمر بن الخطاب والصحابة يرون ان الطلاق بلفظ الثلاثة في مجلس واحد يقع 3 طلقات لكن ابن تيمية جاء بعد نحو 800 سنة وخرج على هذا الإجماع الصحابي وقال يقع طلقة واحدة فحسب، ولنا ان نأخذ برأي ابن تيمية لظروف حدثت فلو قال زوج لزوجته انت طالق طالق طالق في مجلس واحد يقع في الحرج لكن اذا قال لزوجته انت طالق وبعد ساعة او ساعتين قالها لزوجته في الصالة او في الشارع مرتين يكون قد أكد الطلاق ويعني انه مصر على الطلاق فيكون طلقها ثلاثا، وقد أخذت قوانين الأحوال الشخصية في الكويت ومصر وسورية والعراق والأردن وغيرها برأي ابن تيمية الذي خالف الإجماع لمصلحة وهذا جائز.