Note: English translation is not 100% accurate
الداعية محمود عيد ..نجح شباب الثورة المصرية.. وغاب «إمامهم»
12 مايو 2011
المصدر : الأنباء



عالم من الطراز الفريد.. لم يخش في الله لومة لائم لم يهادن ولم يساوم ولم يتنازل عن قيمه ومبادئه
ظل طوال حياته مدافعاً عن أفكاره الإسلامية الأمر الذي أدخله السجن مرات عديدة
75 عاماً قضاها في الدعوة سجن وهاجر وفي وصيته كتب: ادفنوني في البلد الذي أحبه «الكويت»
على من يؤرخ هذه المرحلة ألا يفوته تاريخ هذا الإمام الذي أوقف حياته على مقاومة الاستعمار والطواغيت من الحكام
بقلم: يوسف عبدالرحمن
يا شباب مصر الأحرار..
ويا ثوار المحروسة الأبطال..
أحدثكم اليوم حديث القلب الى القلب، حديث المحب، حديث الحافظ للعهد والوعد، حديث الناصح المذكر، واكتب لكم كتابي في مقال «عن نجم أفل» قد لا يذكره الناس الآن، في وسط هذه الاحتفالية، غير انني واثق بان آباءكم، واجدادكم، وبعضكم يعرفون المرحوم بإذن الله تعالى: الداعية المجاهد محمود عيد ـ رحمه الله ـ احد اكبر الخطباء والوعاظ الذين عرفتهم الاسكندرية الباسلة المنتفضة حتى اليوم، حيث ظل خطيبا لمسجد السلام باستانلي لفترة طويلة، شارك بخطبه القوية في صنع فكر آبائكم واخوانكم وشعبكم في بقية المحافظات.
كان الفقيد البطل الشيخ محمود عيد ـ طيب الله ثراه ـ عالما من طراز فريد، عرفته المنابر والمساجد وسراديب السجون، اسألوا اي شاب في اواسط العمر من اهل الاسكندرية: اتعرف الشيخ محمود عيد، ورفيق دربه الشيخ أحمد المحلاوي؟ ستجدون الاجابة عجب.
فهذا الامام البطل الذي اعتلى منبر «مسجد السلام» اماما لم يخش في الله لومة لائم، لم يساوم، ولم يتنازل عن مبادئه، فقد ظل طوال حياته طويل القامة، ثابتا في الحق، مدافعا عن افكاره، الامر الذي ادخله السجن مرات ومرات عديدة، لم يستكن ولم ينخ أو يضعف، وكلما ازدادت زيارة زوار الفجر له، ازداد عناده في قول الحق، ادخل السراديب والسجون وداروا به (كعب داير) في كل الزنازيين، وما زاده هذا الا اصرارا على دعوته.
يا أهل مصر الاحرار نعم نجحت ثورتكم، وان غاب عنها امامها الذي سقى الشباب من عصارة فكره، وحتى لما نفي في «خان يونس» درس الشباب في غزة وقراها واخرج ابطالا وكوكبة من الشهداء الذين تلقوا العلم من فضيلته، وعندما نرى شاشات التلفاز وهي اليوم تظهر الشباب المصري والفلسطيني، نترحم على هذا الشيخ الذي سبق الزمن في تفكيره الحركي فأحيا في النفوس تقواها وجهادها وقادها الى ساحات الحرية.
كان يقول بثقة المؤمن الواثق سيخرج من رحم مصر شبابا يتصدون للطواغيت، وقال ان في فلسطين سيتصدون بارواحهم لتحرير بلدهم، جيل لا يعرف الخيانة او التراجع او التآمر، كان واثقا بالله ثم في الزرع الذي زرعه على امتداد عمره، ليته كان موجودا لكان فرحا بهذا الحصاد الذي بشّر به من اعوام واعوام.
يا ابطال مصر وشبابها..
وابطال فلسطين واحرارها..
اذكروا في تاريخكم رحلة هذا الشيخ الهمام البطل
فارس المنابر
ايها الاحرار في مصر وفلسطين وجميع بلدان العالم الاسلامي، تذكروا «فارس المنابر» الشيخ محمود عيد ـ رحمه الله ـ الذي توفي عن عمر يناهز الـ 93 عاما، ظل طوالها يصدع بكلمة الحق مهما كانت «الفاتورة» او التكلفة.
كان رحمه الله خطيبا مبدعا بكل المقاييس، حفظ القرآن الكريم منذ نعومة اظفاره، واعتلى المنبر وهو ابن اثني عشر عاما حتى اصبح من اشهر فرسان المنابر في مسجد السلام بالاسكندرية الذي يفد اليه الناس من كل انحاء مصر.
قال عنه الداعية العلامة د.يوسف القرضاوي: كان اسدا يزأر زئيرا او موجا يهدر هديرا، كان يتدفق كأنه ماء ثجاج ويشرق كأنه سراج وهاج، لا يتكلف ولا يتنطع، يربي الناس على حب الله ورسوله ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، لم يهادن ولم يساوم ولم تلن له قناة، ولم يتنازل عن مبادئه، فقد ظل طوال حياته ثابتا في افكاره الاسلامية الوسطية مدافعا عنها في كل ميدان ومبشرا بها في كل محفل وديوان.
يا أبطال مصر..
لكم ان تفخروا بهذا الشيخ البطل الذي صنع ابطال الثورة وهم في علم الغيب، اسألوا آباءكم عن هذا العالم الجليل الذي وصفه الرئيس انور السادات ورفيق دربه الشيخ أحمد المحلاوي بأنهما «مرميان في الزنزانة كالكلاب»!
هذا البطل الذي نفاه الرئيس جمال عبدالناصر الى الصومال ثم الى غزة حتى جاءت له الفرصة ليشرفنا في الكويت عام 1982 بدعوة من وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية، وعندما حط الرحال في الكويت علم ان الوزارة حجزت له في فندق الهيلتون للاقامة فيه، فرفض وقال من الاولى ان توجه هذه الاموال التي ستصرف على سكني مقابل اقامتي الى اعمال البر والخير، ومنذ ذلك الحين وهو يمارس عمله الدعوي في الكويت بعد ان وقع للعمل في الوزارة اماما وواعظا.
لقد احب الكويت بلد الحرية ومارس فيها الدعوة بحرية، يذكر د.خالد المذكور رئيس اللجنة العليا لاستكمال تطبيق الشريعة الاسلامية انه حينما كان الشيخ محمود عيد يزور دولة من دول العالم الاسلامي للمشاركة في اعمال الدعوة والاشراف على بعض المشاريع الخيرية، كان يرفض الاقامة في الفنادق ويصر على الاقامة في المساجد، كما كان يرفض الحفاوة الزائدة في الفنادق وكان يحرص على الاكل بين الناس العوام بدلا من الاكل الفندقي الخمس نجوم.
يا احرار وثوار مصر.. ارض الكنانة..
لقد كان محمود عيد سفيرا مصريا للشعب المصري ولم يمثل النظام يوما، والشيخ له شعبية كبيرة في الكويت لصدقه وشجاعته، فتاريخه حافل على مستوى بلده مصر او غزة في فلسطين او حتى في الكويت التي احبها واحبته.
أيها الاحرار..
لقد حول وجوده في الكويت الى تاريخ مشرف يضاف الى تاريخه مع الانظمة في مصر المحروسة، ففي الكويت طاف على معظم مساجد الكويت يوعي الشباب ويحثهم على الدعوة والجهاد، وكثير هي خطبه في مسجده في مبنى المثنى او الدروس التي يلقيها في ظهر كل ثلاثاء في الهيئة الخيرية، وهناك عشرات المئات من خطبه ومواعظه ودروسه التي ألقاها في المؤسسات والهيئات والجمعيات حتى قبيل مرضه.
واهل الكويت لا ينسون للراحل الكبير الشيخ محمود عيد مواقفه الرائدة في رفض الاحتلال العراقي الغاشم للكويت، فقد رفض في البداية مغادرة الكويت لحرصه على مشاركة اهلها هذه المحنة القاسية وخطب في مساجدها، داعيا الله ان يهلك الطغاة وان ينتقم منهم، وامام اصرار عائلته واصدقائه ومحبيه وتلاميذه على ضرورة المغادرة حتى لا يبطش به النظام العراقي الباغي وزبانيته، ظل على اصراره ومهاجمته غير عابئ بالمصير الذي قد يلقاه وحتى اثناء خروجه المؤقت ودخوله المدن العراقية ظل لا يكف عن الدعاء على الطواغيت والظالمين والمغتصبين اثناء الصلوات، في اشارة الى النظام العراقي البائد، وبعد تحرير الكويت عاد مباشرة، واستأنف نشاطه الدعوي مجددا بعد عودة الشرعية، وكان متواصلا مع الجميع وكانت له عادة كريمة (مائدة رمضانية) يدعو لها من هم مرتبطون به ويحبونه ويحبهم من علماء ومفكرين ودعاة واعلاميين وكانت مائدته لها طعم ومذاق خاص فمعظم المدعوين من الدعاة والعلماء والأئمة والأخيار وفي حضرة هذه الكوكبة من مختلف ألوان الطيف الاسلامي يزاحم غذاء العقول من المعارف والاقتباسات والاشراقات غذاء البطون، وكان يختم بموعظة بليغة ويا لها من لحظات محببة للنفس عما يبشر بالنصر القادم لديار المسلمين هنا وهناك.
يا أحرار مصر ويا ثوارها وحكماءها: نرجو ألا تغفلوا عن تكريم هذا الشيخ الجليل المقدام الذي عانى من ظلم أولي القربى كثيرا وآن له ان يكرم وينزل منزله في اعلى صفحات المجد التي دخلها عبر سنوات عمره.
لقد رثاه العم يوسف جاسم الحجي رئيس الهيئة الخيرية الاسلامية العالمية السابق وقال: افنى حياته في الدعوة في سبيل الله فقد كانت الدعوة لحمته وسداه ومبدأه ومنتهاه، لم يعرف الالتواء والمداهنة على حساب مبادئه وقيمه واخلاقه الاسلامية.
وقال د.يوسف القرضاوي في مذكراته عنه: الواعظ البليغ والخطيب الشهيد الشيخ محمود عيد خطيب جامع السلام في الاسكندرية.
ومن بركاته الدعوية د.عبدالعزيز الرنتيسي الشهيد البطل الفلسطيني الذي تأثر كثيرا في اول شبابه بالشيخ محمود عيد عندما كان بينهم في ارض فلسطين.
نعاه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في بيان قالوا فيه: كان الشيخ رحمه الله من اعظم الدعاة بلاء في سبيل الاسلام والاوطان اوقف حياته على مقاومة الاستعمار الاجنبي والاصلاح في الداخل والخارج حتى اتاه اليقين.
وقال عنه شيخنا د.توفيق الواعي: عالمنا الكبير وداعيتنا العظيم وامامنا الشجاع محمود عيد، كان عملاقا في ثباته، عظيما في دعوته، جاهرا بالحق، ناكرا للمنكر، ولو كان في القمم، غير هياب ولا وجل، داعيا الى الله لا يخشى في سبيله لومة لائم.
وهناك كتاب للشيخ محمود عيد باسمه ألفه زميلنا النشط فوزي عويس، وهو مرجع لتاريخ هذا العالم المفكر الاسلامي.
يا شباب مصر الأحرار
نرجوكم اكتبوا تاريخه في «الفيس بوك والتويتر» وانشروه وفاء لهذا «العالم الرجل» الذي احق الحق وصدع بالمعروف، وناله من المعتقلات والسجون الشيء الكثير، طاردوه، نفوه، عذبوه، كم من محقق من زوار الفجر عذبه، قبحه، رزله، كل هذا لم ينفع معه وظل يعتلي المنبر ويفضح الطغاة أحفاد فرعون.
كان من قلائل من احترموا «عمامتهم» بلباسه الأزهري كان أسدا هصورا لا يخاف في الله لومة لائم مربيا وقدوة ومثالا يحتذى، عفيف اللسان، طاهر اليد، نقيا، كريما، متواضعا.
وفاته
توفي بتاريخ 27 رمضان 1430 الموافق الخميس 17/11/2009 عن عمر يناهز السابعة والتسعين ودفن في مقبرة الصليبخات بناء على وصيته بعد صراع طويل مع المرض، وكانت ابنته «اسماء» من أحب الناس اليه، رعته طوال فترة وجوده في الكويت مع اخيها المهندس محمد، وكانت ابنته «ام احمد» مثالا طيبا لابنته تقوم على رعاية والدها في مرضه وشيخوخته وقد كرمها العم يوسف جاسم الحجي في حفل الهيئة (الافطار السنوي الرمضاني اللاحق عام 2010) تقديرا لبرها بوالدها ورعايتها له.
أيها الاحرار في كل مكان
هذا والله امام من اعظم أئمة الدعوة الاسلامية ويحق لقرية «فيشا سليم» إحدى قرى محافظة الغربية بدلتا مصر، أن تفخر بأنها انجبت مثل هذا الداعية الذي اتسم بالصدق والامانة والاخلاق ورحل عن الدنيا بعد ان كان الامام القدوة في القول والعمل والتاريخ.
يا احرار مصر وثوارها
ادعوا معنا لهذا الشيخ المبارك بأن يكون في الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، أيها الابناء في مصر الحبيبة هذه بعض من «مآثر» شيخنا الجليل محمود عيد نضعها بين يدي «ثورة» لأنه يستحق أن يخلد لما قام به طوال حياته، فلقد بشرنا بثورة الشباب وهو الكهل التسعيني وقال بثقة خبرة الدعوة والأيام: ستسقط الطواغيت التي تذل شعوبها وقد صدق.