- حديقة أميرجان تحكي قصة زهرة موغلة في تاريخ الدولة السلجوقية ثم العثمانية وفترة ازدهارها بعد السلام مع إمبراطورية النمسا
- مهرجان الربيع .. ٣٠ مليون زهرة توليب تطلق عبيرها في عاصمة الجمال
- المدينة الساحرة ترسم فصول السنة بجمالها وروعتها.. و«التوليب» تزيدها تألقاً وروعة في أبريل حتى مايو
- التاريخ يؤكد أن «تركيا» الموطن الأصلي لـ «التوليب» انتقلت إلى القارة الأوروبية في القرن السادس عشر
تركيا - محمد راتب
جنة الله في أرضه بلا منازع، إنها «تركيا» إليها انتهت معالم الجمال والسياحة، تهفو إليها النفوس، وتشرئب لزيارتها والتجوال في طبيعتها الأرواح، هي الراحة والاطمئنان، والسعادة والأمان، في حدائقها وقصورها حكاية التاريخ الموغل في القدم، وفي جبالها قصة الإنسان وشموخه، وفي أنهارها تنساب المياه وتتدافع لتحظى بفرصة مشاهدة الجمال أينما انتقلت قطراتها وحلت، هي بحق درة الدنيا وعبق الإبداع.
إن الحديث عن تركيا يحتاج إلى كتب ومجلدات، والمواقع السياحية وعناصر الجمال فيها لا تنتهي، فإذا كان الزائر بحاجة إلى شهور معدودات للتعرف على روائع طرابزون، وأنطاليا، وبودروم، وإزمير، وبورصة وزيارة المعالم الساحرة فيها، فإنه سيمضي حياته كلها في اكتشاف مواقع الروعة والجمال في العاصمة اسطنبول تلك المدينة التي خلقت لتكون أبهى المدن وأجملها.
وعندما يبدأ موسم الربيع تناديك كل زوايا المدينة العريقة، فتشتم اروع رائحة عرفتها في حياتك، وتشاهد عيناك اجمل الزهور التي تجتذبك إليها لتلتقط إحداها فتعرض عن ذلك لشعورك بأنها مع صديقاتها يشكلن مشهدا ساحرا، فلو قطفتها فإن عشرات الآلاف من الزهرات ستحزن لفراقها.
نعم، إن ربيع اسطنبول مختلف عن الربيع في العالم كله، فالمدينة تتزين بملايين الزهرات من التوليب، لاستقبال السائحين من أصقاع العالم، فما ان يفتح سكان اسطنبول وزوارها نوافذهم حتى يشاهدوا عالما مختلفا، حيث ضجت الدنيا كلها بنشر 30 مليون زهرة توليب إيذانا بقدوم فصل الخير والجمال.
في كل عام منذ 2005، تقوم بلدية اسطنبول بالاحتفال بمهرجان الربيع، الذي يمتد من أول ابريل حتى مطلع مايو، في مختلف الحدائق والشوارع، والجائل أو السائح في ربوعها لابد ان يزور جبل العرائس وحديقة أميرجان، التي تكتسي بأزهار التوليب فائقة الروعة، وما يزيد من جمالها إطلالتها الساحرة على مضيق البوسفور، فما أروع أن تجلس أمام الأزهار وتطلق عينك في روعة المضيق وحركة السفن بداخله، فالمشهد بانوراما تشاهدها كل عام ولا تمل من تكرارها كلما حضرت إلى اسطنبول.
حديقة أميرجان في القسم الأوروبي تجمع بين الشرق والغرب في أهدافها وتعلن كمثيلاتها من جنان إسطنبول بدء موسم الربيع، وانطلاق الحياة من جديد بعد انتهاء موسم شتاء بارد وأمطار غزيرة وثلوج كثيفة.
حديقة أميرجان
عندما تخطو قدماك حديقة أميرجان تشاهد آلاف الزوار من مختلف بقاع العالم، ممراتها تتحدث عن روعة الإتقان في إنشائها، وجداولها ومسطحاتها تحكي قصة الجمال، والأزهار على جنباتها تجتذبك للاستمرار في التجول في أرجائها وهي تعزف سيمفونية الروعة لتقوم الاشجار بالانصات إليها ومشاركتها فرحتها، ولذلك يختار الكثير من الراغبين في الخروج على التقاليد هذه الحديقة لإتمام مراسم زفافهم، فيقصدونها لالتقاط الصور التذكارية فهي موقع لا يمكن أن يتزحزح من الذاكرة.
كل الخدمات موجودة في هذه الحديقة، فهي تجمع بين الخدمات العامة ومتعة السياحة والتجول، وتزداد جمالا وتألقا كلما تم الولوج إليها، وكأنها لوحة فنية رسمها فنان عالمي في لحظة صفاء روحي، يخط بريشته مجسمات جميلة لسناجب وغزلان هنا وهناك، وإطلالة إبداعية للزهور وهي تقبل مضيق البوسفور ومياهه الرائعة.
حكاية زهرة
ما أجمل ان تستقبل بالزهور التي تحكي قصة التاريخ التركي، فزهرة التوليب أو «اللالة» أتى بها الأتراك من مواطنهم الأصلية في آسيا الوسطى، وانتشرت في عهد الدولة العثمانية وانتقلت بعدها إلى القارة الأوروبية في القرن السادس عشر، حيث أهداها السلطان سليمان القانوني إلى ملك هولندا، الذي أعجب بها كثيرا، وأصبحت فيما بعد هولندا الأولى في زراعة وتصدير هذه الزهرة، المرتبطة ارتباطا وثيقا بالتراث العثماني.
إنَّ هذا الارتباط الوثيق يكشفه التاريخ ذاته، فقد سمي أحد عهود الدولة العثمانية بـ «عهد التوليب»، وهي الفترة الممتدة ما بين 1718 و1730، حيث ساد السلام بعد توقيع معاهدة مع الإمبراطورية النمساوية، ما أتاح المجال لإيلاء مزيد من الاهتمام بالفنون، فازدهرت زراعة التوليب، بشكل كبير في اسطنبول في تلك الفترة، وأنتجت أنواع جديدة منها.
لم تغادر هذه الزهرة لحظة واحدة ذاكرة الأتراك، فهم يعقدون العزم على ان تكون تركيا بلد التوليب بلا منازع، فالتاريخ يعترف لها بأنها هي الأم التي أنجبت هذا النوع الرائع من الزهور، ولذلك تطلق سنويا «مهرجان التوليب في اسطنبول» وتستقبل سياحها من جميع دول العالم.
«الأنباء» شاركت في رحلة رائعة نظمتها كل من الخطوط الجوية التركية ووكالة أدونيس الرائدة في السياحة وجمعت ما يزيد على 250 إعلاميا من دول عدة للاحتفال بالدورة الـ 12 من المهرجان الذي جرى تنظيمه خلال الفترة ما بين 29 مارس وحتى 1 أبريل.
واستطاع الوفد الإعلامي خلال الجولة التي قام بها أن يتابع مشهدا لا مثيل له، فالملايين من أزهار التوليب من 120 نوعا مختلفا بدأت بالتفتح في المتنزهات، والميادين، والحدائق، وهذه رسالة تركية للعالم كلها بأن التوليب عاد إلى موطنه الأصلي وسيحيا فيه من جديد.