يبدو أن حكم حركة طالبان لأفغانستان لن يكون بنفس سهولة سيطرتها على معظم الولايات والعاصمة كابول الذي لم يستغرق أكثر من 10 أيام، فلا المجتمع الدولي مستعد بعد للاعتراف بها، ولا المعارضون في الداخل سيستسلمون لها دون مقاومة.
فقد خرج محتجون يحملون العلم الوطني إلى الشوارع في كابول وعدة مدن أفغانية أمس، فيما تواصل الحركة مشاوراتها مع القادة وزعماء القبائل ومسؤولين سابقين للبحث عن شكل الحكم التي رجح احد مسؤوليها أنه سيكون من خلال مجلس حاكم.
ونقلت «رويترز» عن شهود إن عدة أشخاص لقوا حتفهم عندما أطلق المقاتلون النار على الحشود.
ووفق مقاطع فيديو بثها ناشطون عبر منصات التواصل الاجتماعي، رفع المشاركون في مظاهرات كابول التي تقدمتها مجموعة من النساء، علم أفغانستان ورددوا شعارات «عاشت أفغانستان. علمنا هويتنا» تحت أعين مسلحي طالبان الذين تواجدوا في محيط الأماكن التي سارت فيها المظاهرات، تزامنا مع عيد الاستقلال الذي تحييه أفغانستان في 19 أغسطس من كل عام، ذكرى استقلالها عن بريطانيا في 1919.
واعتبر محللون أن إصرار المحتجين على التمسك بالعلم الوطني، بعد تمزيق رايات طالبان البيضاء في بعض الأحيان، هي أول مؤشرات على المعارضة الشعبية لطالبان التي بدأت تتبلور تدريجيا ما يثير المخاوف من عودة الحرب الأهلية.
وفي مدينة أسد آباد عاصمة إقليم كونار في شرق البلاد، أكد شاهد يدعى محمد سالم إن عدة أشخاص قتلوا خلال مسيرة، لكن لم يتضح إن كان ذلك جراء إطلاق طالبان النار عليهم أم بسبب التدافع الذي أعقب ذلك.
وقال سالم: «خرج المئات إلى الشارع. كنت خائفا في البداية ولم أرغب في الخروج، لكن عندما شاهدت أحد جيراني ينضم خرجت ومعي العلم الذي كان بالمنزل».
وتابع: «قتل وأصيب عدة أشخاص في التدافع وإطلاق النار من جانب طالبان». كما خرج محتجون إلى الشوارع في مدينة جلال آباد وأحد أحياء إقليم باكتيا في شرق البلاد.
وذكر شهود ووسائل إعلام أمس الأول أن مقاتلي طالبان أطلقوا النار على محتجين يلوحون بالأعلام في جلال آباد مما أسفر عن مقتل 3. وقالت وسائل إعلام إنه كانت هناك مشاهد مماثلة في أسد آباد وخوست الواقعة في شرق البلاد أيضا.
ويناقض ذلك، الوجه المعتدل الذي تحاول طالبان تقديمه للعالم منذ سيطرتها على كابول الأحد الماضي، حيث قالت إنها تريد السلم ولن تنتقم من أعدائها القدامى وستحترم حقوق المرأة في إطار الشريعة.
وستحدد طريقة تعامل الحركة مع الاحتجاجات المتنامية، مدى ثقة الناس في تطميناتها بأنها تغيرت عما كانت عليه خلال فترة حكمها السابقة للبلاد بين 1996 و2001.
وتزامنا مع الاحتجاجات بدأت بوادر تشكيل نواة مقاومة شعبية ضد طالبان، ويتولاها قادة سابقون منهم نائب الرئيس السابق أمر الله صالح، وأحمد مسعود نجل الزعيم السابق أحمد شاه مسعود، الذي كان يلقب بـ «أسد بانشير».
وعبر أمر الله صالح، عن دعمه للاحتجاجات. وكتب على تويتر «تحياتي إلى من يرفعون العلم وبهذا يدافعون عن كرامة الأمة».
وصرح يوم الثلاثاء بأنه موجود في أفغانستان وأنه «الرئيس الشرعي القائم بالأعمال» بعد مغادرة الرئيس أشرف غني.
من جانبه، طالب نجل القائد أحمد شاه مسعود الذي اغتاله تنظيم القاعدة في 2001، بدعم أميركي بالأسلحة والذخائر للميليشيا التي يقودها لمقاومة طالبان.
وقال أحمد مسعود في مقال نشرت «واشنطن بوست»: إنه «مازال بإمكان أميركا أن تكون ترسانة كبيرة للديموقراطية» عبر دعم مقاتليه «الذين أصبحوا مستعدين مرة أخرى لمواجهة طالبان».
وكان والده أحمد شاه مسعود من أبطال المقاومة ضد السوفييت وقاتل طالبان. وقد اعتبر بطلا قوميا بموجب مرسوم رئاسي في 2019 وإن كانت قواته تركت ذكريات متضاربة لدى سكان كابول الذين علقوا مطلع تسعينيات القرن الماضي في القتال بين المتنافسين.
ودعا أحمد مسعود الاثنين الماضي الأفغان إلى الانضمام إليه «في معقلنا في بانشير وهي آخر منطقة حرة في بلدنا المحتضر».
وقال ان جنود الجيش الأفغاني «الغاضبين من استسلام قادتهم» وكذلك بعض أعضاء القوات الخاصة الأفغانية، انتقلوا إلى بانشير.
وتظهر صور متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي نائب الرئيس السابق أمر الله صالح وأحمد مسعود معا في وادي بانشير، وهما يؤسسان كما يبدو تمردا على النظام الجديد. ولم تتمكن طالبان يوما من السيطرة على وادي بانشير الذي يصعب الوصول إليه. وطلب من واشنطن مواصلة دعم «قضية الحرية» وعدم التخلي عن أفغانستان لطالبان، مؤكدا «أنتم أملنا الأخير».
دوليا أعلنت، فرنسا أمس أنها لن تعترف بنظام (طالبان) فيما وصفت الحركة بأنها لا تتبع «نهجا معتدلا».
وأشار وزير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية كليمان بون في تصريح لمحطة (فرانس انفو)، إلى عدم وجود أي اتصال سياسي مع الحركة.
وأكد أنه «لن يكون هناك أي تهاون أو مجاملة» مع طالبان، مؤكدا «انه لا يوجد نهج معتدل لدى هذه الحركة».
وأشار إلى ان أفغانستان تشهد الأسوأ الآن، مبينا أن «الوضع سيكون أقل سوءا في حال شاركت أطياف سياسية أخرى في حكومة أشمل».