محمد بسام الحسيني
٭ «أحسّ في شي يتحكم فيني، قلبي مغموت.. وعيوني ثقيلة..» (الحلقة 4)
٭ «أشوفهم حواليّ وأسمعهم.. تتضارب الأبواب.. وشيء على صدري مثل الجبل!» (الحلقة 5)
هكذا عاشت «سليمة» (هدى حسين) مع قرينتيها على مدى حلقات مسلسل «كف ودفوف»، وعاش معها الجمهور تجربة فنية مثيرة حتى ألفنا وجود القرينتين!.. في واحد ،عن حق، من أجمل الأدوار خلال السنوات الأخيرة على الشاشات الخليجية.
العمل هو التعاون الأحدث بين الثنائي الكاتب د.حمد الرومي والمخرج منير الزعبي بعد مجموعة أعمال جيدة وناجحة مثل «إقبال» و«عبرة شارع» و«أنا عندي نص» و«موضي قطعة من ذهب».
ينطلق المسلسل من بيئة فرقتين شعبيتين، واحدة نسائية (فرقة أم سامي)، وثانية رجالية، العمود الفقري للفرقة النسائية هي «سليمة» (هدى حسين) التي تحظى بتأييد «أم سامي» المعتزلة لخلافتها، ما يثير حفيظة ابنة أختها «مواهب» (مي البلوشي) وحسدها، أما الفرقة الرجالية فبقيادة «سليمان» (عبدالله ملك) أخو سليمة بالرضاعة والذي يؤمن، كما أخوه «ثنيان» (خالد البريكي)، بالمساواة بين أفراد الفرقة: «كلهم متساوين.. دشاديشهم بيضا مثل قلوبهم.. الله لا يغيّر علينا» (الحلقة 5).
تعيش وتعمل مع «سليمة» شقيقتها «هيا» (شيماء علي) التي تؤدي شخصية نفسية عميقة وحافلة بالتناقضات، فتارة نراها تعشق أختها ومرات أخرى تتمرد وتحقد وتتآمر، وتلخص العلاقة بينهما جملتان على لسان «سليمة»، الأولى لـ «هيا» في الحلقة 24: «فضحتي بنتي، قتلتي ابني، وشيشتي ابني الثاني، ودمرتي حياتي..»، لكن «سليمة» نفسها تقول في الحلقة 23 «دايما أنسى كل شي وأتذكر أنها أختي!»، وتظل كذلك حتى المشهد الأخير الذي تموت فيه «هيا» مقهورة بين يدي شقيقتها، لأن حبيبها الذي تخلى عنها عاد بعد سنوات ليطلب يد ابنتها، وحالة «هيا» تلخصها عبارة: «كرهت قلبي لأنه ما يخليني أفكر، لأنه يذلني ويقودني» (الحلقة 6).
على المقلب الآخر في الفرقة الرجالية، تدور خلافات محورها «مبارك» (إبراهيم الحساوي) الانتهازي الوصولي الذي حرم «سليمة» و«هيا» من ميراث جدتهما ويحوم حول ابنة رئيس تحرير إحدى الصحف وهي امرأة مطلقة طمعا بثروة ومنصب والدها، وفي مقابله «ثنيان» (خالد البريكي) رجل المبادئ المثقف والعاقل. طمع مبارك وتكبره على زملائه يؤدي إلى خروجه من الفرقة وزواجه بـ «هدى» (آلاء شاكر) ابنة «فوزي» (محمد ياسين) رئيس تحرير صحيفة «المناخ» المحترم والصادق، ويتجاهل حب «هيا» له وتعلقها به، تحاول الأخيرة الذهاب إليه ليلة عرسه ويلحق به زوج «سليمة» ومعه طفله «حسين» في السيارة فيتعرض لحادث ويموت لتكون أولى نكبات «سليمة» بسبب «هيا»، والتي تتوالى طوال المسلسل!
على غرار مسلسله «موضي قطعة من ذهب» ينتقل بنا الكاتب من جيل إلى جيل، تتزوج «سليمة» مرة أخرى من رجل طيب وتتزوج «هيا» ابن عمه، لكن الأخير متطرف دينيا ويتورط بالإرهاب، والأول يذهب لثنيه فيموتان معا، ويستغل «مبارك» الحادثة للتشهير بهما رغم القرابة مسببا المزيد من الأذى لـ «سليمة» و«هيا».
بسبب سحر أسود والمآسي المتلاحقة، تتحول «سليمة» إلى امرأة «مسكونة» بالجن تعيش انفصاما بين واقع مرير مع أسرتها وآخر تهيؤي مع «الجن».
مقابل هذا الخط، وهو الأجمل، نتابع فساد وبذخ «مبارك» وانحطاطه
وخساسته ودناءته وصولا إلى تورطه بالقتل وغسيل الأموال، حيث يشكل العمل العصابي الخط الرئيسي الآخر في العمل.
كالعادة، يفاجئنا الكاتب د.حمد الرومي في جرأته بطرح القضايا الحساسة وغير المطروقة، وكان قد بدأها بـ «الاتجار بالبشر» في «عبرة شارع»، وها هو يتابعها مع «غسيل الأموال»، وإن بشكل نمطي ومباشر.. «فيه أحلى من الفلوس تنظفها، تفركها، وتغسلها عدل؟!» (الحلقة 8).
وأيضا كما في «عبرة شارع» الذي تناول فيه بجرأة قضية الاغتصاب وتداعياتها على المرأة وأسرتها، ها هو يعيد طرح الفكرة التي شوهت حياة أسرتين بالكامل، حيث تؤدي جريمة شرف (حسين يقتل ابن خاله لعلاقته بأخته) إلى إعدام «حسين» الابن الأكبر لـ «سليمة» والذي أسمته على اسم طفلها الأول بعدما مات في الحادث مع زوجها الأول وحبيبها الذي لم ينسها إياه زواجها الثاني.
يعالج الرومي الموقف بحوارات واضحة وهادفة، حيث تقول «سليمة» عن «حسين» الغاضب من قضية أخته رغم علمه أنها ضحية استغلال وضعف: «التوبة شرف.. الستر شرف.. ليش تشوفون الشرف محكور بهالشي؟!» (الحلقة 11).
حبكة المسلسل متكاملة ومحكمة وحافلة بالتحولات التي لا تتوقف، وبعضها كبير وجذري، مثل انتفاضة «سليمة» على يأسها وعودتها للغناء في الأعراس وحديثها بشوق ولهفة عن مهنتها، ودخولنا بعدسة المخرج إلى مكانها السر مع «الجن».. والمستشفى النفسي الشاهد على حالها، والذي يمرر من خلاله الكاتب رسالة استغلال الطب النفسي للتستر على الجرائم!
نقطة مهمة تسجل كذلك للكاتب وتنقذ مسلسله من الإغراق في السوداوية الكئيبة، كما حصل في عمله «إقبال»، وهي تطعيمه المسلسل بالكوميديا، وكان حضور شخصية «نجاة» (لولوة الملا) التي شكل حضورها إضافة كبيرة جدا لا تقل عن أداء الثلاثي هدى حسين ـ إبراهيم الحساوي ـ شيماء علي، فنراها تضخ الحياة في شرايين القصة كلما تصلبت، وعبر مواقف تنتزع الضحكات بالقوة. «كف ودفوف» أيضا عمل عن الصحافة بما فيها من صالح وطالح، وانتقالها من عصر إلى عصر، وما تخضع له من تأثيرات، حيث يقول «عبدالوهاب» (قحطان القحطان) لـ «مبارك»: «المكتوب أكبر منك، من وينلك هالأسلوب.. من الشربكة؟!» (الحلقة 2).
على صعيد الإخراج، يثري منير الزعبي العمل بحركة كاميراته ليصطاد عددا مهما من الزوايا المبتكرة الثابتة والمتحركة بكل الاتجاهات، إضافة إلى كادرات جمالية أخرى أصبحت تشكل بصمة يمكن من خلالها أن تعرف أن العمل من إخراجه، وطبعا تشكيل المشاهد الرمزية التي يتميز بها أيضا.
وقد أحسن الزعبي في التركيز على التأثير السمعي، حيث أعطى مساحة للأصوات الموحشة والارتجاجات ورعشات الكهرباء كمؤشرات على أن شيئا ما «لا مرئي» يحدث ولا يراه المشاهدون وهو ما يسبب في كل مرة انتكاسة «سليمة» ونظراتها والتفافاتها وانتقالها من حالة إلى حالة.. حتى اعتاد المشاهد على الوضع واندمج معه.
لكن من المآخذ على المخرج عدم اهتمامه بشعر «سليمة» المقصّف، ورغم رمزيته ومحوريته في القصة لم يُعطَ العناية اللازمة بعكس «الباروكة» التي استُغلت بشكل أنيق ومُعبر.
تمثيلا، تسجل هدى حسين ظهورا «خطيرا» بكل معنى الكلمة، أظهرت فيه قدراتها العالية، بل العالمية، إذ لو ترجم المسلسل إلى أي لغة أخرى فسيقدّر المشاهدون جهدها التمثيلي فيه. سبق ان شاهدناها تتميز في «إقبال» و«عطر» وغيرهما من الأعمال، لكن هذه المرّة كانت في حالتها الأجمل، طيبةً وشراً.. بكاءً وطرباً.. هدوءاً وغضباً.. سكوناً وجنوناً!
إبراهيم الحساوي بدوره أدى شخصية «مبارك غسالة» بكل ما أوتي من انفعالات، وأقنعنا تماما بقدرته على التفوق في دور بهذه الأهمية والصعوبة.
خالد البريكي كان هادئا ومتمكنا، فشخصية «ثنيان» لا تتطلب الكثير من العمق والجهد، فأداها بسهولة.
أما شيماء علي فقدمت من خلال «هيا» ظهورا يظهر تراكم الخبرة لديها وارتقت بالدور بأفضل صورة.
على مستوى الشباب، أجادت زينب غازي تقديم شخصية «سميرة» رغم حساسية وضعها، وقدم عبدالله البلوشي (حمود) الابن الأصغر لـ «سليمة» شخصية الابن المتوحد والانطوائي، وبدا واضحا استعداده وفهمه للدور جسديا ونفسيا وحركيا، لولوة الملا (نجاة) تفوقت كما أسلفنا، فهد البناي (فوزي الابن) ظهر مرة أخرى بصورة الابن المدلل الفاسد وهو دور أداه مجددا بنجاح، كما وفِّق نواف النجم (أسامة) وأحمد شعيب (مساعد) في ظهورهما.
وحدها روان مهدي (دانة) التي شاهدناها في المواسم الماضية ناجحة، بدت في حالة هبوط وجمود وغياب للتعبير، ولم تشكل ثنائيا مناسبا مع «حمود».
ولا ننسى أبداً الظهور الموفّق للممثل البحريني منصور الجداوي الذي كان أصدق ممثل لـ «الجن»!
«كف ودفوف» من الأعمال التي تستحق قراءة نقدية أطول، فالمسلسل عمل منعش للتحليل والتأمل والتفكير بقدر ما هو إنتاج فني جميل للعين، إذ يلامس قضايا التراث بكل ما يزخر به من جمال ومعتقدات شعبية، التي رغم أننا في القرن الـ 21 لاتزال تستأثر بالمقبولية لدى البعض مهما بلغت خطورتها.
ومن كل هذه المواد الأولية من الأفكار، صاغ الرومي والزعبي ومعهما القديرة هدى حسين وفريق العمل هذا المسلسل الآسر رغم كل ما أوردناه من ملاحظات.