بشار جاسم الكندري
مع ولادة اول مسرحية للطفل وهي «السندباد البحري» في الكويت التي انتجتها عواطف البدر عام 1978، كانت الموسيقى بطلة هذا العرض، واشتهرت المسرحية كثيرا بأغنيتها الوطنية الخالدة «بلادنا حلوه» التي ما زال الجمهور يتذكرها، وهي من كلمات الشاعر عبدالأمير عيسى، وألحان الموسيقار أحمد البابطين، اللحن يعتبر ابداعا آخر يقف إلى جوار أبطال المسرحية، ألحان تصنع بعناية، وتوزيعات موسيقية تسمع فيها الكمنجة والإيقاع والآلات المختلفة، فتخرج الأغنية من المسرح وتبقى في ذاكرة الطفل لسنوات طويلة. ومن يعود إلى مسرحيات الطفل الكويتية في سنوات ازدهارها، وخصوصا عددا من الأعمال التي قدمتها هدى حسين وغيرها من نجوم تلك المرحلة، سيلاحظ أن الأغنية لم تكن مجرد فاصل بين مشهد وآخر، وإنما كانت جزءا من الحكاية. لكل أغنية سبب، ولكل لحن إحساس، ولكل مشهد موسيقاه التي تخدمه وتكمل صورته.
كان هناك اهتمام واضح باللحن والتوزيع، وبوجود الآلات الموسيقية الحقيقية والكمنجات والأوركسترا، ولذلك كانت الأغاني والموسيقي وحدها في بعض الأحيان كفيلة بأن تعيد إلى ذاكرتنا مسرحية كاملة وشخصياتها وأحداثها.
أما اليوم، فماذا تغير؟
لا يمكن أن ننكر التطور التقني الكبير الذي دخل إلى المسرح، ولا أن نقلل من جهود الفنانين والملحنين الشباب، لكن المتابع لمسرح الطفل اليوم يلاحظ اعتماد عدد كبير من الأعمال على الكيبورد والتوزيع الإلكتروني بصورة أكبر، وأصبحت اغلب الالحان باهتة تماما.
والمشكلة ليست في «الكيبورد» نفسه، فهو آلة موسيقية مهمة، والتكنولوجيا بالتأكيد ليست عيبا، المشكلة تبدأ عندما يصبح الكيبورد اختصارا لأوركسترا كاملة، وعندما تتحول موسيقى المسرحية من عنصر أساسي في صناعة العمل إلى مجرد خلفية أو إيقاع سريع يؤدي الغرض وينتهي بانتهاء المشهد مع شوية رقصات.
قديما، كنا نستمع إلى الأغنية فنستطيع أن نشعر بالمشهد حتى لو لم نره. الحزن له موسيقاه، والفرح له موسيقاه، والخوف والمغامرة والحلم لكل منها عالم موسيقي خاص. ولهذا بقيت أغنيات كثيرة من مسرحيات الطفولة في ذاكرتنا حتى اليوم، رغم مرور عشرات السنين. من منا لا يذكر أغاني مسرحية «الواوي وبنات الشاوي» و«البنات والساحر» وغيرها من الأعمال التي ابدع في تلحينها سيف القطان وفيها كمية كمنجات وتشيلو وتوزيع رائع كذلك كلمات مسرحيات الطفل بالسابق كانت نظيفة ولطيفة على الطفل والعائلة مثل اغنية «هزينا ياديرفة واللي يطيح ما نلقفة» وهي للشاعر القدير عبداللطيف البناي، الذي أيضا كتب كلمات مسرحية ليلى والذيب التي عرضت عام 1988 وإخراج نجاة حسين، ووضع ألحانها الملحن جاسم الغريب، فكلماتها مليئة بالعبر والمواعظ بالإضافة إلى اللحن.
كذلك ألحان مسرحية الأطفال الكويتية أبطال السلاحف التي عرضت عام 1991 وضعها الفنان الملحن محمد البلوشي، وشهدت المسرحية مشاركة مميزة للمطربة نوال كانت تحمل ألحانا خالدة تعيش معنا لغاية اليوم، وأيضا مسرحية فدوة لج والتي اشتهرت في اغنية ديايتي بيضي ذهب واصير غنية بلا تعب والعديد من مسرحيات الطفل ايضا مسرحيات عبدالرحمن العقل الزرزور وطرزان وجسوم ومشيري كانت تحمل الالحان الثقيلة. وهنا يطرح السؤال نفسه: كم أغنية من مسرحيات الطفل التي قدمت في السنوات الأخيرة بقيت في ذاكرة الجمهور بعد انتهاء الموسم؟ قلة قليلة جدا، وابرزها من ألحان بشار الشطي الذي عمل مع «زين» والعديد من المسارح الأخرى.
حتى الإعلان عن المسرحية كان في السابق امتدادا لهويتها وقصتها، وعندما تشاهد الإعلان تعرف شيئا عن قصة وفكرة المسرحية، أما اليوم، فنشاهد أحيانا إعلانات ضخمة وجميلة بصريا، فيها تصوير وأزياء واستعراض ومؤثرات، لكنها قد لا تمت إلى قصة المسرحية بصلة واضحة. ينتهي الإعلان، ويبقى المشاهد يسأل: ما قصة المسرحية؟ أو اعلان يرد وينتقد اعلان آخر. وهذا لا يعني أن كل ما كان في الماضي أفضل، ولا أن كل ما يقدم اليوم أقل قيمة، فمسرح اليوم يمتلك إمكانات تقنية لم تكن متاحة للأجيال السابقة، شاشات وإضاءة ومؤثرات وصوت وتقنيات تستطيع أن تصنع عوالم مذهلة على الخشبة. ويعتبر من اهم المسارح بالعالم في كمية العروض والشو، فالمقال مختص فقط في أغاني المسرحيات، لكن ربما ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من التقنية بقدر ما نحتاج إلى إعادة شيء من روح المسرح إليها. نتمنى أن نسمع آلة موسيقية تتنفس مع الممثل، وأن يكون للأغنية لحن يعيش مع الطفل، وأن يخبرنا الإعلان عن القصة بدل أن يكتفي بإبهارنا، وأن يتعامل صناع مسرح الطفل مع موسيقاه باعتبارها جزءا من ذاكرة الطفل التي يصنعونها، لا مجرد موسيقى لموسم مسرحي عابر، الكمنجة والكيبورد إنها المسافة بين زمن كان يبحث عن لحن يبقى، وزمن أصبح في بعض أعماله يبحث عن صوت يملأ المشهد.
ويبقى السؤال: هل نستطيع أن نأخذ من مسرح اليوم تقنياته وإمكاناته، ومن مسرح الأمس روحه وألحانه.. لنصنع مسرح طفل يستحق أن يبقى في ذاكرة جيل جديد؟