أظهر آخر وأحدث تقييم أميركي للوضع في أوكرانيا ومجرى الحرب والأحداث، استنادا الى تطورات شهر يوليو، أظهر المعطيات والوقائع والصورة التالية:
1 - الهجوم الروسي مساره ومداه:
* تشهد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا تباطؤا في العمليات الهجومية في إقليم دونباس، الذي تسعى للسيطرة الكاملة عليه، وبدا أن تركيزها على القصف الصاروخي بعيد المدى للمدن والقرى يستهدف إبقاء الضغط على البلاد، بانتظار إعادة تجهيز قواتها المتعبة تمهيدا لمرحلة جديدة من الهجوم. ويعتقد خبراء عسكريون أن إيقاف الهجوم البري على دونباس، رغم سيطرتها على مقاطعة لوغانسك يعكس مساعي موسكو لاستقدام قوات جديدة محل القوات المتعبة، وإعادة تجهيزها، في ظل نقص متزايد بدأت تظهر نتائجه على الأرض.
ركزت روسيا هجماتها على إقليم دونباس، الحوض الصناعي والتعديني في شرق أوكرانيا، بعد فشل هجومها الشامل في بدايات الحرب، لكنها واجهت خسائر عالية في الأرواح والمعدات عن كل شبر من الأراضي التي احتلتها.
* على الرغم من أن القوات الروسية قد عاودت هجماتها، غير أنها باتت أكثر خشية من تنامي القدرات الأوكرانية، التي باتت تستخدم أكثر وأكثر المعدات والأسلحة الغربية. ومع إعلان أوكرانيا أن تلك الأسلحة بدأت في تغيير مسار الحرب، فإن ميزة التفوق العددي للجيش الروسي بدأ تقابلها دقة الصواريخ والمدفعية الأوكرانية. وكان قائد أميركي سابق لقوات حلف شمال الأطلسي «الناتو» في أوروبا، قد أشار إلى أن القوات الأوكرانية قد تكون قادرة على شن هجوم مضاد شامل، بالاعتماد على الأسلحة الغربية، في شهر اغسطس.
* يتوقع خبراء أن ينتهي الغزو الروسي العام المقبل، إذا واصل الغرب تقديم دعمه العسكري لأوكرانيا. الروس مرهقون وليس لديهم الكثير مما يمكن القيام به اليوم، والقوات الأوكرانية تتمتع بميزة معنوية على الروس، الذين باتوا متعثرين في مستنقع من التهالك. والوزن الكامل للدعم العسكري الغربي بدأ يترسخ أخيرا في أوكرانيا، خصوصا في ميزة أنظمة الصواريخ بعيدة المدى. وفي كل مرة لا يتمتع فيها الروس بميزة نارية هائلة، يفوز الأوكرانيون. ويتوقع أن يعمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على إطالة أمد الحرب نحو حرب استنزاف مدروسة، على أمل إحداث شروخ في الجبهة الغربية. لكن إذا بقي الغرب متماسكا هذا العام فستنتهي الحرب بداية العام المقبل.
2 - الأسلحة الغربية و«الهايمرز»:
* لا يريد الجيش الروسي إعطاء الوقت الكافي للجيش الأوكراني للاستعداد للمعركة القادمة، خصوصا وصول أسلحة غربية قد تعدل موازين القوى العسكرية. ويريد الرئيس بوتين الحفاظ على الاندفاعة والمبادرة واستغلال الانسحاب الأوكراني السريع من آخر مدن إقليم لوغانسك.
* محاولة الخروج بسرعة من المعضلة المستجدة والتي سببتها راجمات «الهايمرز» الأميركية، لأنها أعطت عمقا استراتيجيا مهما للجيش الأوكراني يصل إلى 80 كم، وهي تكمل العمق الذي تؤمنه المدفعية الميدانية العادية بحدود 30 كم، وضربت هذه الراجمات مراكز الثقل الأساسية للجيش الروسي وهي: مراكز القيادة والسيطرة، مخازن ذخيرة المدفعية التي عدت، أي المدفعية، سبب نجاح التقدم العسكري الروسي في إقليم الدونباس. وبالتالي، فإن ضرب هذه الأهداف المهمة يضرب الإستعدادات الروسية، وبالتالي يؤمن للجيش الأوكراني وقتا مهما كي تكتمل منظومته للمعركة القادمة. من هنا رصدت أقمار وكالة «ناسا» الأميركية تراجع القصف الروسي بشكل لافت في إقليم دونباس ومحيطه. لكن لابد من الانتظار لمعرفة ما إذا كان تراجع القصف الروسي يعود للوقفة العملانية أم بسبب «الهايمرز».
وقد شكلت راجمات «الهايمرز» حلا تكتيكيا نوعيا للجيش الأوكراني، وذلك على حساب المشكلة التقنية التي كان يواجهها هذا الجيش، أي المدفعية الروسية (60 ألف طلقة روسية يوميا).
ويقول بعض الخبراء إن ابتكار حل روسي تكتيكي سريع أمر صعب. فإذا أبعد الروس مخازن الذخيرة عن الجبهة لمسافة 80 كم مثلا، وهو مدى «الهايمرز»، فهذا أمر قد يضرب مفهوم العقيدة المدفعية الروسية التي كانت سبب النجاح في المرحلة الثانية، وبالتالي قد يخلق هذا الحل مشكلات أكثر. ويقول البعض الآخر بوضع المخازن في الأماكن السكنية، لكن كل الأماكن السكنية القريبة من الجبهة خالية كليا من السكان.
هنا يمكن تفسير عودة العمليات العسكرية التي أمر بها وزير الدفاع الروسي على أنها: أولا، القبول بالمخاطر التي يشكلها «الهايمرز»، وذلك حتى إيجاد حل تكتيكي مناسب، ومنعا لاستكمال الجيش الأوكراني تعزيزاته. ثانيا، البدء بعقاب جماعي للمدن الأوكرانية، الأمر الذي يفسر مؤخرا القصف العنيف على هذه المدن.
3 - السيطرة الجوية:
بالنسبة إلى سلاح الجو الروسي، ورغم أن خسائره محدودة، إلا أن فشله في تأمين سيطرة جوية للعمليات البرية طرح تساؤلات عدة عن حقيقة تطور هذا السلاح، في مواجهة الأسلحة الدفاعية التي باتت تمتلكها أوكرانيا من الغرب والتي مكنتها من منع روسيا من استخدام قوتها الجوية الأكثر تقدما لفرض هيمنتها في السماء منذ بدأ الغزو الروسي في 24 فبراير. لا، بل إن مساعي كييڤ لتغيير اعتمادها على الطائرات السوفييتية تزيد من صعوبة مهمة سلاح الجو الروسي في مواكبة العملية العسكرية الروسية المستمرة. وفي هذا السياق، نقلت وكالة «رويترز» عن قائد القوات الجوية الأميركية الجنرال تشالز براون قوله، إن الولايات المتحدة وحلفاءها بدأوا دراسة إمكانية تدريب الطيارين الأوكرانيين في إطار جهود طويلة الأمد لمساعدة كييڤ في بناء قوة جوية مستقبلية. وتسعى أوكرانيا أيضا إلى تقليل اعتمادها على الطائرات الروسية من خلال الحصول على مقاتلات أميركية وتدريب طياريها على قيادتها. وأعلنت القوات الجوية الأوكرانية عن آمالها في الحصول على طائرات «إف 15» و«إف 16.»
4 - المسيرات الإيرانية:
يعتبر الأميركيون أن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإيران تظهر مدى العزلة التي تعيشها روسيا، وأن لديه ثلاث نقاط بشأن هذه الزيارة: أولا، تظهر مدى عزلة بوتين وروسيا، مما اضطره إلى التوجه لإيران طلبا للمساعدة.
والنقطة الثانية هي أن صناعة الدفاع الروسية تواجه صعوبات، وأنها غير قادرة على تلبية احتياجات الحرب في أوكرانيا.
والنقطة الثالثة هي أن هذه الرحلة هي علامة على أن فلاديمير بوتين ليس لديه نية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، ولا يريد الدخول في مفاوضات بحسن نية للوصول إلى اتفاق مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
المعدات العسكرية الروسية، بما في ذلك الدبابات والطائرات، تواجه مشكلات في مجال الإصابة الدقيقة لأهدافها، وروسيا تعاني نقصا في المكونات الإلكترونية الدقيقة، ولا يمكنها استيرادها بسبب العقوبات. في المقابل، سيشتري بوتين مئات الطائرات من دون طيار من إيران. وتحاول روسيا شراء طائرات مسيرة إيرانية بسبب الخسائر الكبيرة التي تكبدتها في هذا المجال. وطرحت مساعي روسيا للحصول على المسيرات الإيرانية أسئلة حول حقيقة وضع الآلة العسكرية الروسية، وعما إذا كانت الأسلحة الإيرانية متطورة ويعتد بها في ميدان المعركة.
5 - ضم أراض أوكرانية:
تخطط روسيا لضم المزيد من الأراضي الأوكرانية التي احتلتها، ذلك أن المسؤولين الذين عينتهم موسكو في بعض المناطق التي تحتلها في أوكرانيا يخططون لتنظيم استفتاءات زائفة بشأن الانضمام إلى روسيا، لاستخدامها كأساس لضم الأراضي الأوكرانية، مثلما حصل مع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، مما أدى إلى موجة من العقوبات الدولية.
والجهود تشمل أيضا إنشاء بنوك روسية في تلك الأراضي المحتلة، لجعل الروبل الروسي «العملة الافتراضية» لهذه المناطق. والجدول الزمني لخطط الضم ليس واضحا، لكن موسكو قد تبدأ تنفيذه في وقت لاحق من هذا العام بالتزامن مع الانتخابات الإقليمية.
روسيا تستعد لتركيز جهودها على مدينتي خيرسون وزابوريجيا وجميع مناطق دونيتسك ولوغانسك، وعينت بالفعل مسؤولين في المناطق التي تسيطر عليها في أوكرانيا، بما في ذلك في خيرسون وزابوريجيا، مع أحاديث تفيد بأن روسيا يمكن أن تتحرك لضم دونيتسك ولوغانسك، حيث تركز حاليا عملياتها العسكرية.