صقر الرشود، رحمه الله تعالى، فنان نادر سبق زمانه وفاق أقرانه، وترك إرثا مسرحيا عزيزا ونادرا، ولا أبالغ إذا قلت إنه صقر المسرح الكويتي بلا مدافع، وقد جمع بين التأليف والإخراج والتمثيل والثقافة العالية، فكان فنانا شاملا، وهو اسم مكتوب بماء الذهب في تاريخ الفن الكويتي ثابت في الذاكرة، ولا أشبهه إلا بقول عمرو بن الأطنابة:
أبت لي عفتي وأبى بلائي
وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإقحامي على المكروه نفسي
وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت
مكانك تحمدي أو تستريحي
وقد فجع أهل الكويت بوفاته شابا إثر حادث أليم في دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، ونقل جثمانه إلى وطنه الكويت ودفن في ترابها، وحضر الأمير الراحل الشيخ سعد العبدالله دفنه وعدد كبير من المسؤولين والفنانين والمواطنين، ونوه باسمه وكرم كثيرا وهو يستحق ذلك.
أستميحكم العذر بأن أعود بذاكرتي إلى سنين طويلة مضت، عندما كنت طالبا في الرابع الثانوي فجاءني اتصال بخط ارضي في المنزل فرفعت السماعة، فإذا بصوت جهوري ظاهر البحة يسألني عن أخي النائب السابق طلال السعيد، ويخبرني بأنه صقر الرشود، وان شركته الجزيرة تستعد لتسجيل مسلسل بدوي اسمه «العنود» في استديو الماسية بالسالمية، وشدد على أنه لا بد من مراقب للهجة، فقلت له إن أخي طلال خارج الكويت، فعرض علي أن أحضر التسجيل بدلا منه، فوافقت بعد حياء وتردد، ووصف لي مسرح الخليج، وهو ديوانية أسرة الدعيج الكريمة في القادسية، فذهبت إليه وهي المرة الأولى التي أرى فيها صقر الرشود شابا في منتصف الثلاثينيات من عمره، وسيما وقورا والى جانبه رفيق دربه الكاتب الكبير عبدالعزيز السريع - ألبسه الله ثوب الصحة والعافية - في مثل سنه، وشاهدت عنده الفنان الكبير خالد العبيد والفنان علي المفيدي رحمه الله والفنان عبدالله الحبيل ومخرج العمل حامد حنفي رحمه الله ونجدات المحتسب، وغيرهم ممن لا أتذكرهم.
حضرت معهم بروفات الطاولة التي حضرتها الفنانة سعاد عبدالله والراحل غانم الصالح، وهما بطلا العمل والفنان عبدالمحسن الخلفان، ومجموعة كبيرة من أعضاء مسرح الخليج العربي، فأدهشني ما رأيت من قدسية للعمل ورهبة عنده، وضبط وربط لا أرى منها شيئا هذا الأيام، ولاحظت أن لصقر طريقته الخاصة في التعامل مع مجموعته، وهم له سامعون مطيعون، ذو شخصية مرهوبة الجانب ومحبة واحترام كبيرين من الفنانين له مع الدقة المتناهية في المواعيد، رغم أن العمل إذاعي، وكان تعامله معي تعاملا راقيا، ولهجته أقرب ما تكون من لهجة أهل نجد، لا يحب الخطأ ولا يرضى به، روح القيادة ظاهرة عليه شديد المحبة لوطنه.
سجلنا العمل لإذاعة الكويت وكان نادرا في حينه، وكان هو البطل، ثم غادر الكويت بعد ذلك بمدة قصيرة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وفي النفس ما بها، فرحم الله «أبا فراس» وغفر له، ودمتم سالمين.