يبدو أن الحر بدأ مبكرا هذا العام عن السابق، وأصبح الوقوف أو السير في أجواء الشمس الحامية مصدر معاناة، ورغم توافر المكيفات في بيوتنا وأماكن العمل وفي المساجد وفي المجمعات التجارية، إلا أن الناس لا يتحملون شدة حرارة الصيف هذه السنة.
كنا في السابق أيام زمان نتقبل حرارة الشمس ولم تكن الحرارة كحرارة هذه الأيام.. كانت طرقنا ترابية والأبنية من اللبن أو الطوب الطيني، وكذلك الشوارع مقارنة بطرق هذه الأيام كانت عبارة عن سكك لا تسع لمرور السيارات وكنا سعداء بفصل الصيف، حيث ننطلق نحو البحر وهناك عدة نقع بحرية هي بالأساس لرسو السفن الخشبية الشراعية.
أنا كنت من سكان فريج الغنيم وفريج سعود، وكانت هناك نقع قريبة من منزلنا.. نتنقل من نقعة إلى نقعة، ليس هناك ازدحام بل كانت ميسرة لكل الناس، وكنا نمارس عدة هوايات إلى جانب السباحة، وننظم فيما بيننا مسابقات في البحر، حيث ننطلق من الفاتك، وهي عبارة عن مدخل السفن، إلى النقع وكانت هذه النقع محاصرة بأسوار صخرية.
ومن الهوايات التي كنا نمارسها صيد السمك بطرق بدائية مثل مشخال مغطى بقماش وهناك فتحة صغيرة بالقماش لتمر الأسماك إلى داخل المشخال، هذا إلى جانب الحداق بالخيوط والميدار، وهذا يتطلب أن نختار موقعا عند الفاتك.. وكذلك كنا نضع لأنفسنا «تناك» عبارة عن سفينة من المعدن، ونستغل «كوطي» الذي يستعمله الكندري في نقل الماء إلى البيوت.
ولمــا كــان بيتــنا يقــع في فريــج الغــنيم الذي فيه فرضـة الخضار، وهي عبــارة عن ميناء صغير لرسو السفن الخشبية القــادمة من البصرة وعبدان، وكانت تحــمل الخضراوات والخلال (البلح) والرطب، وكذلك كانت تنقل الملح والجت (البرسيم) والجولان (علف الغنم)، وكانت هناك ركبك التمر المرصوصة على الرصيف، وكنا نأكل من هذه التمور عندما نشعر بالجوع، وكذلك كانت سفن البصرة تنقل لنا تفاح بوفسيوه، وهذا صغير وأخضر ورغم أنه حامض إلا أننا نقبل عليه لنخفف ما نشعر به من جوع.
كنا نتوجه إلى البحر بسراويل سودة ولما كان منزلنا قريبا من البحر كنا نركض إلى البحر بالسروال الأسود.. هكذا كانت حياتنا في الزمن الجميل وعليكم أن تقارنوا بين تلك الأيام التي نشعر بها بحياة جميلة ووقتنا اليوم حيث المكيفات والسيارات والشوارع العريضة التي فرشت بالكار الذي يساعد على اشتداد الحر في الصيف.
الله يعيننا، ويا حلاة تلك الأيام الجميلة أيام البحر والنقع والفاتك والفرضة.. كلها مواقع تاريخية تؤكد على علاقة أهل الكويت بالبحر.
مــن أقـــوال المـغفور له بإذن الله سمو الأمير الشيخ جــابر الأحمد، طيب الله ثراه، «إن علاقة أبناء الكويت بالبحر علاقة مصيرية ترجع إلى مئات السنين، حينما كان البحر مصدرنا الأول للرزق مما نستخرجه من أعماقه من الخيرات».
والله الموفق،،