مع بداية مرحلة التقاعد وبلوغي من الكبر عتيا، توافر لدي وقت فراغ كبير منحني فرصة للتجول في الأماكن والطرقات التي كنت أعيش مراحل حياتي فيها عندما كنت شابا قادرا على التحرك بشكل أكبر والتنقل، وليس كما الحال هذه الأيام مع نهاية حياتي العملية. لقد انهمكت دوما في ممارسة عملي منذ عملت مدرسا لمدة عشر سنوات بين مدرسة العديلية المشتركة ومدرسة المأمون، ثم انتقلت للعمل في العلاقات العامة بوزارة التربية رئيسا لقسم الإعلام التربوي، وبعد خمس سنوات انتقلت للعمل بوزارة المالية وعينت رئيسا للعلاقات العامة، وبعد ذلك عينت مراقبا للشؤون الإدارية ثم عينت مديرا لإدارة الضيافات العامة..
بعد التحرير انتقلت للعمل في هيئة الشباب والرياضة بمعية الأستاذ الفاضل خالد الحمد وتم تعييني مديرا لإدارة العلاقات العامة والإعلام إلى أن تقاعدت في ديسمبر عام 1993، وفي السنة نفسها عينت مختارا لمنطقة قرطبة، واستمر عملي «مختارا» لمدة ثلاثين عاما، وقبلها تم اختياري رئيسا لمجلس إدارة جمعية قرطبة التعاونية، حيث عينت رئيسا لمجلس إدارة جمعية قرطبة في بداية تأسيسها، وقد أشرفت مع زملائي أعضاء مجلس الإدارة المؤسس على بناء مرافق ومباني جمعية قرطبة التعاونية. وإنني أحمد الله، فقد تقاعدت وكرمت من مجلس إدارة الجمعية كمؤسس للجمعية، كما تم تكريمي من قبل محافظ العاصمة ومنحي شهادة شكر وتقدير على جهودي أثناء عملي كمختار لمنطقة قرطبة . هكذا قضيت حياتي في عمل متواصل من وظيفة إلى أخرى دون أن أحصل على أي نقد أو لوم، بل شهد كل من تعاملت معهم بصدق تعاملي مع كل الذين تعاملت معهم في الوظائف المتعددة.. ولست حزينا للانتهاء من العمل الأخير لي في الحكومة كمختار لمنطقة قرطبة، بل سعيد بتكريمي ومنحي شهادة شكر وتقدير من كل الوظائف التي تدرجت فيها.. لكن الذي يحزنني هو الفراغ وقد يكون السبب أنني تعودت على ممارسة العمل لمدة تزيد على خمسين عاما، والشيء الوحيد الذي سأقضي فيه بقية حياتي هو زيارة المواقع التي أعتبرها تاريخية، فقد عشت فيها معظم حياتي من مرحلة الشباب إلى أن وصلت لمرحلة كبر السن والتقاعد.. حيث أقوم أولا بزيارة فريجنا القديم وسكة العنجري ومسجد السرحان (ياسين القناعي).. كما أنني أحب التجوال في سوق المباركية ومدرسة المباركية التي درست فيها المرحلة المتوسطة وموقع مدرسة خالد بن الوليد الواقع خلف بيوت الفهد ومنزل فهد المخيزيم. في المقابل هناك بيوت الرشود والطريجي وبيت العون وبيت حمادة وبيت فيصل الثويني والد عبداللطيف الثويني وعبدالعزيز مختار المنصورية وبيت سليمان الهيب.
كذلك سأقوم بزيارات متكررة لمواقع النقع القديمة الواقعة مقابل البحر وموقع الفرضة التي كانت سوقا للخضار والفواكه وعلف الأغنام.. وشركة الملاحة لصاحبها عبدالله المعيوف (الذي اشتهر عند أهل الكويت باسم الوكيل)، لا شك أنها فرصة لكي أتصفح صفحات من تاريخ الكويت وما زلت أتذكر قصر السيف والبنديرة التي كثيرا ما لعبنا بساحتها حيث قصر الأمير ولم يمنعنا أحد.. إنها قمة الأمن والأمان.. وللحقيقة فإن أجمل أوقاتي وحياتي ستكون مع أحفادي الأحباب الذين أرى فيهم النور والسعادة.. يكفيني كلمة «بابا محسن» من أفواه أحفادي الذين أرى فيهم سعادتي والنور الذي ينير لي طريقي في حياتي الجديدة..
حبي لوطني الكويت ولصاحب السمو الأمير الذي أحببناه وحبي لأهل الكويت، لا شك أنها حياة جديدة وسأحاول التغلب على شعوري بالفراغ والملل.
قال الله تعالى:
(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون).
والله الموفق.