يعد الذكاء الاصطناعي ثورة تكنولوجية قادرة على تعزيز القدرات البشرية وتحويل الاقتصادات، ومع ذلك، وإلى جانب فوائده المحتفى بها، تتزايد الأدلة على أنه قد يعيد تشكيل الإدراك البشري وتطور الشخصية بطرق غير متوقعة ومقلقة، وفي هذه الحالة، لم يعد السؤال الجوهري ما الذي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدمه لنا، بل ما هي آثاره علينا.
تشير الأدلة المبكرة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يشكل طريقة تفكير الناس فحسب، بل يغير شخصياتهم أيضا، وفي كثير من الأحيان بطرق قد تكون لها عواقب وخيمة على مستقبلهم.
ليس سرا أن الدراسات تكشف باستمرار أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يضعف النشاط الإدراكي بشكل كبير، فقد وجدت إحدى التجارب أن ما يقرب من نصف نشاط أدمغتنا ينخفض عند إكمال المهام بمساعدة الذكاء الاصطناعي، مما يثير مخاوف من أن سهولة استخدام الأنظمة الآلية قد تضعف القدرات الإدراكية اللازمة للتعلم العميق والتفكير المستقل، وبالنسبة للمراهقين والشباب، الذين لاتزال أدمغتهم في طور النمو، فقد ثبت أن هذا التراجع في الجهد الذهني لا يقتصر تأثيره على نشاط الدماغ فحسب، بل يمتد ليشمل شخصياتهم بأكملها.
لقد استحوذت التحولات في سمات الشخصية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على اهتمام الأكاديميين، لاسيما تلك الموثقة لدى الأجيال الجديدة، وباستخدام اختبارات القياس النفسي المعتمدة، وتحديدا «نموذج العوامل الخمسة» الذي يقيس الضمير والانبساط واللطف والانفتاح والعصابية، قارن مؤخرا بعض الباحثين من أميركا، البيانات الحديثة بالمتوسطات الوطنية من عقد مضى.
وبينما اعتبرت هذه السمات تقليديا مستقرة في مرحلة البلوغ، تشير النتائج الجديدة إلى أن الشباب يظهرون أنماطا من «النضج المتقطع»، مقارنة بالتعريف الحالي للنضج، ويبدو أنه في الوقت الحاضر، بدلا من التوجه نحو الاستقرار والمسؤولية والتنظيم العاطفي مع دخولهم مرحلة البلوغ، يتجه الكثيرون في الاتجاه المعاكس.
على سبيل المثال، وجدت الأبحاث أن «الضمير الحي» قد شهد تراجعا ملحوظا، وترتبط هذه السمة ارتباطا وثيقا بالانضباط الذاتي والموثوقية، والقدرة على تحقيق الأهداف طويلة المدى، علاوة على ذلك، يثير انخفاض هذه الفئة مخاوف من أن شباب اليوم قد يواجهون صعوبة الحفاظ على جهودهم في التعليم والمهن والعلاقات الشخصية.
ومما يثير القلق بنفس القدر ارتفاع معدلات العصبية، حيث من المتوقع أن يتجه الكثيرون نحو أزمات الصحة النفسية، اليوم، يبلغ الشباب عن مستويات أعلى من القلق والانفعال والتقلب العاطفي، مما يصعب عليهم التحلي بالمرونة وإيجاد طرق للتعامل مع التوتر والنكسات اليومية، ويزيد انخفاض مستوى اللطف من تعقيد المشكلة، حيث يقال إن انخفاض التعاطف وتراجع الرغبة في التعاون، يقوضان أسس التنازل والثقة الاجتماعية.
على المستوى الشخصي، يخاطر انخفاض مستوى اللطف بعزل الأفراد، وتوتر الصداقات، وزعزعة استقرار الحياة الأسرية، ويدفع هذا المفهوم العلماء إلى التأمل فيما إذا كان هذا التطور والتكيف طبيعيا، أم أنه عصر الكوارث الذي يجرد البشر من إنسانيتهم، للأسف، يتم تجاهل وتيرة دراسة هذه العلاقات والاستثمار في حلول موثوقة إلى حد كبير، وهي ليست بنفس الإسراف في نطاقها أو نهجها مقارنة بتطوير التكنولوجيا نفسها التي تسببها، وإذا استمرت هذه التغييرات، فإن الآثار المترتبة عليها صادمة، إذ قد يدخل شباب اليوم منتصف العمر باستراتيجيات أقل للتكيف، واستقرار أقل في حياتهم المهنية، وصعوبة أكبر في الحفاظ على علاقات هادفة.
ختاما، قد يسرع الذكاء الاصطناعي التقدم في مجالات لا حصر لها، لكنه أيضا يعيد تشكيل الصفات الإنسانية الأساسية، لتحقيق الذات والرفاهية الجماعية، بهدوء وسرعة.
dr_randa_db@