لنقف مع هذه الفكرة بجدية وبصورة منطقية.. ما معنى القراءة في زمن الحرب والوباء؟
وما معنى أن نقرأ أصلا؟ السؤال هنا صعب، والإجابة عنه أشد صعوبة، ولعل قلة هم من يتعاملون مع هذا الأمر بصورة حقيقية.
بشكل نتيه عن المعنى، ولعل الحروب والكوارث والأوبئة هي الخرائط الأكثر قسوة نحو معنى الإنسان. حين تكشر الحرب عن أنيابها، أو يستفحل الوباء ضاربا عرض الحائط كل القوى ومتجاوزا كل الحدود، يعود السؤال الذي كان غائبا عنا طويلا: ما جدوى أن نقرأ؟ وأين يقف الإنسان من كل هذا الخراب؟
يبدو أحيانا أن الثقافة والقراءة شأن يخص النخبة وحدها، وأن الكتب ليست من أولويات البشر في حياتهم اليومية. لكن ما إن تضيق الحياة بنا، وتنهار النظم الأساسية، وتعجز الإجابات الجاهزة عن تفسير الألم، حتى نعود إلى الكتاب، أو إلى فعل القراءة، بوصفها محاولة نجاة أخيرة، أو شكلا من أشكال الهروب النبيل من قسوة العالم.
إن الحروب والأزمات تعيد تعريف حاجة الإنسان إلى المعنى. وتظهر الكتب وفعل القراءة لا بوصفهما ترفا ثقافيا، بل باعتبارهما أداة للحفاظ على التماسك الداخلي. فالإنسان حين يفقد قدرته على تفسير ما يحدث حوله، يبدأ بالبحث عن قصة، أو فكرة، أو جملة واحدة تمنحه القدرة على الاستمرار.
يكتب الطبيب فرانكل عن تجربته في معسكرات الاعتقال النازية:
«إن أعظم مهمة لأي إنسان تتمثل في أن يجد معنى في حياته». تجربة السجن تجربة مريرة وقد تساوي تجربة الحرب والأوبئة باعتبارها مواجهة مباشرة بين الإنسان وهشاشته الداخلية، لذلك يستطيع الإنسان النجاة بنفسه حتى في أكثر الظروف وحشية حين يجد السبب الداخلي الذي يبقيه على الاستمرار.
كثيرا ما تأسرني قصة الصحافي والكاتب الفرنسي جان دومينيك بوبي، الذي أصيب بشلل كامل في الجسد، في عمر الثالثة والأربعين، لم يبق له سوى القدرة على تحريك جفنه الأيسر. كان جسده كله سجنا مغلقا، لكنه كتب روايته الشهيرة (بذلة الغوص والفراشة) عبر رمشات عينه فقط، حتى قيل أنه كتبها بـ 200 ألف إغماضة، هي المحاولة الملهمة رغم الخراب الذي أصاب جسده ليقول: مازلت إنسانا، ومازال داخلي عالم كامل.
تمتلئ الفضاءات الإلكترونية اليوم بـ«أشباه المثقفين» ومن يقدمون أنفسهم باعتبارهم «نخبة» هم من يقودون المشهد، وهم من يؤثرون على وعي الناس «حسب ما يدعون والسبب فقط لأنهم يمتلكون أعدادا كبيرة من «المتابعين»، ويتكلمون وينظرون كأنما هم أوصياء على عقولنا وأدمغتنا! لكنها محاولة غير صحية من المجتمع الذي يحاول البحث عن اليقين خلال هذه الحروب والأوبئة. فالإنسان لا يحتاج دائما إلى إجابة جاهزة، بقدر حاجته إلى الأدوات التي تحمي عقله من التلاعب السياسي والثقافي، وإلى قارب نجاة صغير يمنعه من الغرق الكامل. وهنا تحديدا يظهر فعل القراءة.
وربما لهذا السبب تحديدا لا تختفي الكتب في الأزمنة الصعبة. وحتى في أشد لحظات الحرب قسوة، تحترق مكتبة أو تقصف مكتبة لتحمينا نحن، ففي اللحظات التي يفقد فيها العالم منطقه تصبح القراءة محاولة الإنسان الأخيرة لكي لا يفقد نفسه.