مفرح الشمري
في زمن تتسارع فيه التحولات وتتبدل ملامح الحياة يوما بعد آخر، تبقى الحكايات أكثر الوسائل قدرة على حفظ الذاكرة وربط الأجيال بتاريخها.
وانطلاقا من هذا المعنى، تنظم الجمعية الكويتية للتراث غدا الثلاثاء محاضرة بعنوان «حكايات صنعت الذاكرة.. رحلة في الرواية الكويتية والتاريخ والهوية»، يقدمها الروائي هيثم بودي في لقاء ثقافي يتجاوز حدود الأدب إلى فضاءات التاريخ والإنسان والمكان.
ولا يقتصر الحديث في هذه المحاضرة على الرواية بوصفها عملا إبداعيا، بل يمتد إلى دورها في توثيق ملامح الوطن وحفظ تفاصيل الحياة اليومية التي قد لا تجد مكانها في كتب التاريخ التقليدية، فكم من رواية احتفظت بصورة حي قديم أو مهنة اندثرت أو عادة اجتماعية شكلت جزءا من حياة الكويتيين لعقود طويلة، لتصبح بذلك شاهدا على مرحلة تاريخية ومرآة لمجتمع كامل.
ويعكس عنوان المحاضرة جوهر التجربة التي سيتناولها بودي، حيث تتحول الحكايات إلى وثائق إنسانية تحفظ ما عاشه أهل الكويت في مختلف المراحل التاريخية، ولاسيما خلال الفترات الصعبة التي واجه فيها المجتمع تحديات تركت آثارا عميقة في وجدانه، فالتاريخ لا تصنعه الأحداث الكبرى وحدها، بل تسهم في تشكيله أيضا قصص الناس العاديين الذين واجهوا الحياة بإرادة وصبر، وتركوا وراءهم إرثا من الحكايات الجديرة بأن تروى.
ومن المنتظر أن تتناول المحاضرة العلاقة الوثيقة بين الرواية والتاريخ، وكيف استطاع الأدب أن يوثق جوانب من الحياة الكويتية ربما لم تنل نصيبها الكافي من السرد التاريخي التقليدي، فالرواية تمنح القارئ فرصة العيش داخل الحدث، واستشعار مشاعر الناس في تلك الأزمنة، ورؤية المكان بتفاصيله وقيمه وعاداته وتحدياته.
ويعد هيثم بودي من أبرز الأسماء التي كرست جانبا مهما من مشروعها الثقافي لاستحضار الذاكرة الكويتية وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة، فمن خلال أعماله المختلفة سعى إلى بناء جسور بين الماضي والحاضر، مستندا إلى البحث والتوثيق من جهة، وإلى الخيال الروائي القادر على إحياء الأحداث والشخصيات من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، تبرز رواية «الدروازة» التي أعادت قراءة مرحلة الطاعون وما خلفته من آثار اجتماعية وإنسانية، مقدمة صورة لمجتمع واجه الخوف والمرض وتمسك بالحياة رغم قسوة الظروف. كما حضرت في أعماله الأخرى تفاصيل عديدة مرتبطة بالبيئة الكويتية القديمة والتحولات التي أسهمت في تشكيل ملامح المجتمع الكويتي الحديث.
أما رواية «الهدامة» فتقف عند محطات مختلفة من حياة الناس، مستحضرة قصص الحب والفقد والانتظار والأمل، لتؤكد أن الرواية ليست مجرد حكاية تروى، بل وسيلة لفهم الإنسان في مواجهة المتغيرات التي تفرضها الحياة، أما «الملاحم الكويتية» فهي سلسلة توثيقية عن الكويت وتاريخها.