مفرح الشمري
أكد الروائي هيثم بودي أن الرواية ليست مجرد عمل أدبي للتسلية، بل وسيلة لتوثيق حياة الناس وتحولات المجتمع وحفظ الذاكرة الوطنية للأجيال المقبلة، مشيرا إلى أن كثيرا من الأعمال الروائية تنطلق من تفاصيل صغيرة أو صورة عابرة قادرة على فتح أبواب واسعة من الحكايات والتأملات التاريخية.
جاء ذلك خلال المحاضرة التي أقامتها الجمعية الكويتية للتراث بعنوان «حكاية وطن»، حيث استعرض بودي تجربته مع الكتابة والرواية وعلاقته بالتاريخ الكويتي، متناولا محطات من نشأة الكويت وتطورها ودور الأدب في إعادة قراءة الماضي وربطه بالحاضر.
وتحدث بودي عن بداياته الأدبية، موضحا أنه بدأ كتابة القصص القصيرة عام 1995، وكان ينشر أعماله الأولى في الصحافة الكويتية باسم «هيثم عبدالله»، في محاولة لاختبار تجربته الكتابية بعيدا عن الأسماء والاعتبارات الأخرى، وأضاف أن الصحافة نشرت له سبع قصص قصيرة في تلك المرحلة، وكانت أول قصة تحمل عنوان «النخيل»، وهي قصة استلهمها من ارتباطه الوثيق بشجرة النخيل التي شكلت جزءا من ذاكرة طفولته في منطقة الشامية، حيث أمضى سنواته الأولى في منزل تحيط به أشجار النخيل التي تركت أثرا عميقا في وجدانه.
وأشار إلى أن الصورة التاريخية كثيرا ما تكون الشرارة الأولى لولادة النص الروائي، لافتا إلى أن صورة واحدة قد تدفع الكاتب إلى نسج حكاية كاملة حول الأشخاص والأماكن والوقائع التي توثقها. واستشهد بصورة التقطها أحد الجنود الروس لبيت كويتي قديم على الساحل خلال زيارة البعثة الروسية للكويت مطلع القرن الماضي، معتبرا أنها تعكس جانبا من العلاقات التاريخية التي ربطت الكويت بالعالم الخارجي.
وتوقف بودي عند محطات من التاريخ السياسي والاقتصادي للكويت، متحدثا عن اهتمام القوى الدولية بالكويت منذ وقت مبكر بحكم موقعها الاستراتيجي وأهميتها التجارية، وأشار إلى أن الإمبراطورية الروسية سعت إلى توثيق علاقتها بالكويت وطلبت إنشاء محطة لتزويد بواخرها بالفحم، في دلالة على المكانة التي كانت تتمتع بها البلاد ضمن شبكة التجارة الدولية آنذاك.
كما استعرض جانبا من ازدهار الكويت في عهد الشيخ صباح الأول، مبينا أن الكويت نجحت في التحول من قرية ساحلية صغيرة تعتمد على صيد الأسماك إلى مركز تجاري مهم يربط بين الهند وأوروبا عبر الطرق البرية والبحرية.
وأوضح أن السفن الكويتية كانت تنقل البضائع عبر المحيطات لتصل إلى الموانئ الإقليمية، ومنها تنقل بواسطة القوافل إلى مدن المشرق العربي، الأمر الذي أسهم في ترسيخ مكانة الكويت الاقتصادية والتجارية.
وأشار إلى أن القيادة الحكيمة للشيخ صباح الأول أسهمت في ترسيخ أسس الدولة وتعزيز دورها التجاري، مستذكرا رحلته إلى جزيرة خرج عام 1752 للتفاوض مع ممثلي شركة الهند الشرقية الهولندية بهدف تأمين مصالح التجار وتنشيط الحركة التجارية في المنطقة.
وأكد بودي في ختام حديثه أن الرواية قادرة على إعادة إحياء التاريخ الإنساني من خلال التفاصيل اليومية والشخصيات البسيطة التي قد تغيب عن السرد التاريخي التقليدي، موضحا أن مهمة الكاتب لا تقتصر على تسجيل الوقائع، بل تمتد إلى منحها بعدا إنسانيا يجعل القارئ أقرب إلى فهم الماضي واستيعاب أثره في تشكيل الحاضر.