مفرح الشمري
عادت مدرسة عائشة الابتدائية للبنات، التي تم افتتاحها 1952، إلى الحياة الثقافية بوصفها أكثر من مجرد مبنى تاريخي أعيد ترميمه، عادت باعتبارها ذاكرة حية تستحضر محطات مضيئة من تاريخ الكويت الفني والتعليمي. وفي رحاب هذا الصرح العريق، التقت حكاية المكان بسيرة أحد أبرز رموز الأغنية الكويتية، عندما نظمت لوياك أمسية لتكريم الفنان القدير عبدالعزيز خالد المفرج «شادي الخليج»، تزامنا مع تدشين اسمه على مسرح المدرسة، في لفتة وفاء تحتفي بمسيرة فنية ووطنية امتدت لعقود، وترسخ قيمة تكريم المبدعين الذين أسهموا في تشكيل الوجدان الكويتي.
وأقيمت الأمسية بحضور الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب د.محمد الجسار، والأمين العام المساعد لقطاع الفنون مساعد الزامل، والأمين العام بالتكليف لقطاع الآثار محمد بن رضا، ورئيس مجلس إدارة لوياك فادية جاسم خالد الداود المرزوق، وأعضاء مجلس الإدارة فتوح الدلالى وعبير العيسى إلى جانب ورثة المرحوم العم جاسم خالد الداود المرزوق، ممثلين بمحمد جاسم المرزوق، ومشعل جاسم المرزوق، ومرزوق جاسم المرزوق، الذين جسدوا إيمانهم بأهمية الحفاظ على الإرث الثقافي والتاريخي للكويت وصون ذاكرة المكان للأجيال القادمة من خلال تبرعهم السخي لترميم مبنى المدرسة وعودته للحياة.
واستقبل شادي الخليج في قاعة لوذان بمدرسة عائشة وسط أجواء من الترحيب والحفاوة من أسرة لوياك ومحبيه من أهل الفن والثقافة وأفراد أسرته، في مشهد عكس المكانة التي يحظى بها في وجدان الكويتيين، وخلال الاستقبال، تم تكريم الفنان القدير بلوحة فنية خاصة أبدعها الفنان التشكيلي إبراهيم العطية، قدمها له محمد جاسم المرزوق، تقديرا لمسيرته الفنية والوطنية الحافلة بالعطاء.
بعد ذلك، اصطحب الحضور الفنان شادي الخليج في جولة داخل أروقة المدرسة، استعاد خلالها محطات من ذكرياته مع المكان منذ سنوات الدراسة والبدايات الأولى، مرورا بالحفلات والأوبريتات الوطنية التي شهدتها المدرسة، وصولا إلى مرحلة توقف نشاطها، قبل أن تعود اليوم إلى الحياة من جديد بفضل مشروع الترميم والتأهيل الذي أعاد إليها بريقها التاريخي والثقافي.
وخلال الجولة، توقف شادي الخليج أمام اللافتة الأصلية لمعهد الموسيقى التابع لوزارة التربية، والتي جرى الحفاظ عليها بعناية أثناء أعمال الترميم، مستحضرا جانبا من ذكرياته المهنية عندما عمل موجها في المعهد لسنوات. كما شهدت الجولة لحظة مؤثرة تمثلت في الكشف عن لوحة «مسرح شادي الخليج»، ليحمل المسرح اسم الفنان الذي ارتبطت مسيرته الفنية بذاكرة المكان، وظل صوته حاضرا في وجدان الكويتيين عبر عقود من الإبداع والعطاء.
وعقب ذلك، دخل الفنان إلى المسرح الذي بات يحمل اسمه وسط ترحيب الحضور، واستهلت الأمسية بالنشيد الوطني، ثم رحبت مقدمة الحفل دلال السمحان بالحضور، مؤكدة أن المناسبة تمثل لحظة وفاء لفنان ارتبط اسمه بتاريخ الكويت الفني، ولمعلم ثقافي عريق يستعيد اليوم مكانته ودوره في خدمة المجتمع.
وفي كلمتها، أكدت رئيس مجلس إدارة لوياك فادية المرزوق أن إعادة إحياء مدرسة عائشة لا تمثل مجرد ترميم لمبنى تاريخي، بل استعادة لجزء أصيل من الذاكرة الوطنية والثقافية للكويت، مشيرة إلى أن المشروع يجسد رؤية تؤمن بأهمية صون التراث وربط الأجيال الجديدة بموروثها الثقافي.
كما أعربت عن تقديرها للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الشريك الاستراتيجي للوياك، لدوره المستمر في دعم المشهد الثقافي والفني وتعزيز المبادرات الهادفة إلى الحفاظ على التراث الثقافي الكويتي، مثمنة جهود جميع من أسهموا في إعادة إحياء هذا الصرح العريق الذي يلتقي فيه الوفاء للمبدع مع الوفاء للمكان.
وتخللت الأمسية فقرة موسيقية مميزة قدمتها أكاديمية لابا للفنون بإشراف الفنان د.بدر النوري، حيث قدمت الفرقة باقة من أشهر أعمال شادي الخليج، من بينها «سدرة العشاق» و«عزيزة» و«ها نحن عدنا»، بصوتي الشاب حمد السعيد والفنانة منة الخياط، وسط تفاعل لافت من الحضور الذين استعادوا عبر الألحان صفحات مضيئة من تاريخ الأغنية الكويتية.
واختتمت الأمسية بعرض فيلم وثائقي من إنتاج فريق لوياك، استعرض أبرز محطات مسيرة شادي الخليج الفنية والوطنية، منذ بداياته الأولى وحتى تحوله إلى أحد أبرز رموز الأغنية الكويتية والخليجية، ودوره في إثراء الحركة الموسيقية وترسيخ الأغنية الوطنية في وجدان الأجيال.
وجاءت هذه الأمسية لتؤكد أن الاحتفاء بالمبدعين هو احتفاء بذاكرة الوطن وتاريخه الثقافي، وأن الحفاظ على المعالم الثقافية وإعادة إحيائها مسؤولية مشتركة تسهم في صون الهوية الوطنية ونقل إرثها للأجيال القادمة. وبينما استعادت مدرسة عائشة حضورها كمركز ثقافي نابض بالحياة، حمل مسرحها اسم أحد أبرز الأصوات التي رافقت ذاكرة الكويتيين، ليبقى اسم شادي الخليج جزءا من حكاية المكان كما كان دائما جزءا من حكاية الوطن.