لا يستهلك النفط عالميا فقط كوقود، بل يتحول جزء معتبر منه إلى مواد تدخل في صلب الاقتصاد الصناعي الحديث. فقرابة برميل واحد من كل ثمانية براميل يستخدم خارج منظومة الطاقة التقليدية، ليظهر في منتجات يومية مثل الملابس، والأجهزة الإلكترونية، ومواد البناء، والمستلزمات الطبية. هذا الاستخدام غير الوقودي يعكس تحولا هيكليا في دور النفط عالميا.
تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 12% من الطلب العالمي على النفط يذهب إلى الصناعات البتروكيماوية، أي ما يعادل قرابة 12 مليون برميل يوميا، وهو حجم يوازي استهلاك كتل صناعية كبرى. هذه الكمية لا تحرق، بل تتحول إلى مدخلات إنتاج صناعي طويلة الأجل، ما يمنح النفط دورا مزدوجا كمصدر للطاقة وكمادة خام استراتيجية.
عند تكرير النفط الخام، لا يتحول البرميل بالكامل إلى وقود كما يشاع. فبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، ينتج البرميل (42 غالونا) في المتوسط نحو 19.57 غالونا من البنزين، و12.47 غالونا من الديزل والمقطرات، و4.41 غالونات من وقود الطائرات. في المقابل، ينتج أيضا فحما بتروليا، وغازات هيدروكربونية مسالة، وأسفلتا، وزيوت تشحيم، ونافثا تستخدم كلقيم للبتروكيماويات، إلى جانب منتجات أخرى متعددة. هذه المخرجات غير الوقودية ليست هامشية، بل تمثل جزءا ثابتا من منظومة التكرير.
تشكل البتروكيماويات الحلقة الأساسية التي تربط النفط بالاقتصاد الصناعي. فالنافثا ومشتقات أخرى تتحول إلى مواد أولية مثل الإيثيلين والبروبيلين والعطريات، والتي تستخدم بدورها في إنتاج البلاستيك، والمطاط الصناعي، والمنظفات، والدهانات، والمواد اللاصقة. وتعد هذه الصناعة من أسرع مصادر نمو الطلب على النفط، إذ تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تسهم بأكثر من ثلث نمو الطلب حتى عام 2030، ونحو نصفه بحلول 2050.
هذا التحول لا يعني تراجع دور الوقود، بل يعكس إعادة توازن في هيكل الطلب. فبدلا من الاستهلاك الفوري عبر الاحتراق، يبقى النفط داخل الدورة الاقتصادية لفترات طويلة عبر المنتجات الصناعية. ويمكن ملاحظة ذلك في كل منزل أو مكتب حديث، حيث تعتمد الأجهزة الإلكترونية، ومواد العزل، والتغليف، والأثاث، وحتى المنظفات على مكونات مشتقة من النفط.
قطاع المنسوجات يقدم مثالا واضحا على هذا التحول، حيث بلغ إنتاج الألياف عالميا نحو 124 مليون طن في 2023، مع استحواذ البوليستر - المشتق أساسا من النفط والغاز - على نحو 57% من الإجمالي، وارتفاعه لاحقا إلى قرابة 59% مع زيادة الإنتاج. هذا يعكس تفوق الألياف الصناعية على الطبيعية، واعتماد صناعات الملابس، خاصة الرياضية والسريعة، على مشتقات النفط.
ولا يقتصر الاستخدام غير الوقودي على الاستهلاك النهائي، بل يمتد إلى قطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية والبنية التحتية. فالعديد من الأدوات الطبية - كالأنابيب، والحقن، والقفازات – تصنع من مواد بتروكيماوية. كما يدخل النفط في إنتاج الأسفلت، ومواد العزل، والطلاءات، ما يجعله عنصرا أساسيا في مشاريع البناء والتشييد.
في المقابل، يسهم التحول نحو المركبات الكهربائية في تقليص الطلب على الوقود السائل. فقد تجاوزت مبيعات هذه المركبات 20 مليون وحدة عالميا في 2025، ما أدى إلى خفض استهلاك النفط بنحو 1.7 مليون برميل يوميا. ومع ذلك، لا يمتد هذا الأثر إلى الطلب على البتروكيماويات، الذي يواصل النمو مدفوعا بالتوسع الاقتصادي وزيادة الاستهلاك.
استجابة لذلك، تعيد شركات الطاقة صياغة استراتيجياتها عبر التوسع في مجمعات التكرير والبتروكيماويات المتكاملة، وتطوير تقنيات «تحويل النفط إلى كيماويات»، التي قد ترفع نسبة تحويل البرميل إلى منتجات كيميائية إلى 70-80% مقارنة بمستويات أقل في المصافي التقليدية. كما تشير تجارب الشركات الكبرى إلى إمكانية رفع إنتاج الكيماويات من 8-12% إلى نحو 50% عبر التكامل الصناعي.
خلاصة الأمر أن النفط لا يتراجع بقدر ما يعيد تشكيل دوره. فالقيمة المستقبلية للبرميل لن تقاس فقط بقدرته على إنتاج الوقود، بل بقدرته على تزويد الاقتصاد بمواد تدخل في آلاف المنتجات. وهكذا، يبقى «البرميل غير المحروق» حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية، حتى في ظل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.