- اعتناء الرسول صلى الله عليه وسلم بضرورة المبادرة لحل الخلافات وعدم تجاهلها لإزالة التوتر
- الأسس التي وضعت لضمان استقرار العلاقة الزوجية قوية ومتينة لتطويق أي خلاف
أكدت أستاذة الحديث بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية د.مستورة رجا حجيلان المطيري أن التباين في الآراء وعدم الاتفاق بين الأزواج في بعض المسائل أمر طبيعي لا مفر منه في كل علاقة زوجية، لافتة الى ان اتباع منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في تعامله مع زوجاته وتقديس العلاقة الزوجية هو الحل لعلاج اي مشكلة، وطالبت المطيري باتباع منهج النبي صلى الله عليه وسلم وإحياء دور المحكم في الأسرة وفق الشريعة الإسلامية وتقديره وإنفاذ رأيه على الزوجين لأنه يعد صمام أمان يحمي العلاقة الزوجية من الانهيار، وتطرقت الى اسباب الخلافات والحل الأمثل لها وذلك من خلال هذا الحوار.
لماذا يحدث الخلاف بين الأزواج؟
٭ الاختلاف أمر فطري بين البشر، وطبيعي بين الأزواج ووارد وقوعه في اي علاقة زوجية نظرا لتفاوت العقول والأفهام، كما كان يحدث بين الرسول صلى الله عليه وسلم - أكمل الخلق - وبين زوجاته خلافات زوجية ومع ذلك لم تؤثر هذه الخلافات على صحة الصدور وسلامتها ولم تغير المحبة المستقرة في القلوب، كما هو حاصل في الزمن الحالي بين الأزواج، حيث تحولت العلاقة الزوجية بين معظمهم الى علاقة نفور وخصام وشقاق دائم لا سبيل لعلاجه ولا مجال لاحتوائه، ولعل السبب الذي ميز الخلافات الزوجية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم عنها في الزمن الحالي هو صدق إيمان الأوائل، حيث عدوا العلاقة الزوجية علاقة مقدسة فلم يتهاونوا في إقامتها على النحو الذي يرضي الله عزّ وجلّ، اما في الزمن الحالي فالبعد عن الدين وعدم الالتزام يعد من اهم الاسباب التي حولت العلاقة الزوجية الى علاقة نفور ونكد وتعاسة بين الأزواج ومن يحيط بهم.
ما الأسس التي تساعد على سرعة احتواء الخلافات الزوجية؟
٭ وضعت الشريعة الإسلامية أسسا قوية لحماية هذه العلاقة من آثار الخلاف والاختلاف، وما كان أساسه قويا كان بنيانه أتم وأجود، لذا كان لابد من إقامة العلاقات الزوجية على أسس متينة تساعد على تخطي الخلافات الزوجية بسهولة ويسر وتحد من تفاقمها، وبينت الشريعة الإسلامية أن الأساس الأول بعد تقوى الله عزّ وجلّ الذي تبنى عليه العلاقة بين الزوجين هو تبادل العشرة بالمعروف بينهما وتفعيله على حسب القدرة والاستطاعة، حيث قال الله عزّ وجلّ: (وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا).
وقد وصى الرسول صلى الله عليه وسلم بالنساء، فقال: «استوصوا بالنساء خيرا»، وكذلك حث الزوجة على طاعة زوجها، فقال صلى الله عليه وسلم: «لو كنت آمرا أحدا ان يسجد لغير الله لأمرت المرأة ان تسجد لزوجها»، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب شئت».
وهل هناك وسائل أخرى تساعد وتعين على تجاوز الخلافات؟
٭ العشرة بالمعروف هو الاساس الرئيسي، وانبثقت أسس اخرى لازمة لتخطي الخلافات الزوجية من دون ان تترك اثرا سلبيا على النفوس، ولا يشترط ان تكون هذه الاسس مجتمعة، بل اساس واحد، منها يكفي لحل أي خلاف زوجي واحتوائه، وأول هذه الأسس الرحمة والمودة، فنجد ان الخلافات لابد ألا تخرج عن اطار الرحمة والمودة، وهو امر مهم وحيوي يعمل على حفظ تلك العلاقة من التفكك والتصدع، فالأصل في العلاقة الزوجية المحبة والمودة (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).
الصبر والتعاون
ومن الأسس المهمة التي تنبثق عن العشرة بالمعروف بين الزوجين الصبر، ولقد عرف الأولون هذا المفهوم وطبقوه في جميع احوالهم، مما جعل له الأثر الطيب في توطيد العلاقة الزوجية بينهم، وكذلك من الاسس التي تهون من امر الخلافات الزوجية وتساعد على إزالتها رعاية المصالح الزوجية والاسرية بين الزوجين وحسن تعاونهما، وهو باب واسع، فالزوجان مطالبان برعاية المصالح المتعلقة بالحياة الاسرية والحفاظ عليها، فتعاون الزوجين كفيل بإبعاد الخلافات الزوجية او تقليلها، وهو تعاون لا ينبغي ان يكون من طرف الزوج فقط، بل على الزوجة ان تتعاون مع زوجها، ودل على ذلك حسن تعاون السيدة خديجة رضي الله عنها مع الرسول صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي وحسن رعايتها له ليتفرغ لعبادته وخلوته.
ما أثر الخلافات الزوجية على الزوجين والمجتمع؟
٭ الناظر اليوم الى الخلافات الزوجية وما افرزته من آثار خطيرة، سواء كانت على مستوى الزوجين او مستوى الاولاد او المجتمع، يدرك ان غياب هذه الاسس والمفاهيم من حياة الزوجين هو الذي ساهم في وجود مثل هذه الآثار، فالخلافات الزوجية المعاصرة اصبحت بشكل عام خلافات هدامة منفردة خلت من الأسس والقيم الاسلامية التي يجب مراعاتها بين الزوجين، ومن آثارها، وقوع الزوجين او احدهما في الكبائر بحجة الفرار من الخلافات الزوجية والبحث عن السعادة، وراجع ذلك لضعف الايمان، فترى بعض الازواج يلجأ الى شرب المسكرات او المخدرات او اتخاذ الخليلات او السحر او حتى القتل، كما ان آثارها عدم الاستقرار الاسري بسبب تكرار الخلافات مما يؤدي الى التزعزع الاسري وفقد القيم والمبادئ وفقد القدرة على الابداع والانتاج، ذلك لما فيها من اشاعة جو الحزن والقلق والاضطراب والتشتت والضياع، والاولاد والزوجان في ذلك على حد سواء، وربما يؤدي الى الطلاق، كما انها تعطل تأثير الاسرة الحقيقي والفعلي في التقدم وتطوير المجتمع وذلك لانشغال اعضائها بالمشاحنات والنزعات والتقاضي فيما بينهم.
وكيف عالج المنهج النبوي الخلاف الزوجي؟
٭ لم يقتصر الاسلام على ايجاد حلول للخلافات الزوجية حال وقوعها، وانما عالج مقدمات الخلافات الزوجية بحرص على سد كل باب ومنفذ يمكن ان يؤدي الى وقوعها، وجاء المنهج النبوي لعلاج الخلاف الزوجي على مرحلتين، الاولى معالجة اسباب الخلافات الزوجية ومقدمتها، فسن النبي صلى الله عليه وسلم قواعد وتشريعات تحمي العلاقة الزوجية من بوادر الخلاف بين الزوجين، اولها الاختيار المناسب والقبول والرضا عند كل منهما للآخر، والثاني تقديس العلاقة الزوجية والنظر اليها على انها عبادة وطاعة وقربى لله (وأخذن منكم ميثاقا غليظا)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن يؤجر من كل شيء حتى في اللقمة يرفعها في فيه امرأته»، ثالثا: الإقرار بقوامة الزوج، فالقوامة حق مطلق كفله الاسلام للزوج، وعلى الزوجة الاعتراف بذلك وعدم منازعة الزوج في هذا الحق لئلا يؤدي ذلك الى شقاق ونزاع دائم بين الزوجين، قال تعالى (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)، رابعا: غرس الثقة والبعد عن سوء الظن، فالشك وسوء الظن مدعاة للبغض والكره وفقدان الثقة بين الزوجين، وهذا ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»، ومن العوامل التي تغلق باب الخلافات بين الزوجين وتقلل من حدتها تقدير مشاعر الزوجين ومراعاتها، سادسا واخيرا عدم تقديم نوافل العبادة على حق الزوج ومراعاة حق كل منهما على الآخر.
ما الوسائل التي تعين على حل الخلافات الزوجية وتجاوز أخطارها؟
٭ احتساب الأجر عند الله عز وجل والرضا والتسليم بقضاء الله يعد من أهم العوامل والوسائل التي تطوق الخلافات الزوجية وتحد من تفاقمها، كما تحد من تأثيرها السلبي كالاسترسال في الظنون السيئة، كما ان استخدام لغة الحوار الايجابي بين الازواج وعدم استفزاز أي منهما للآخر يساعد على تخطي الخلاف بين الزوجين وعلاجه بسهولة ويسر، وايضا من الوسائل لحل الخلاف الزوجي وجود محكم قريب من الاسرة يساعد على تقريب وجهات النظر بما له من خبرة وحنكة ودراية ويزيل التوتر بين الزوجين، وكذلك الهجر الجميل بين الازواج أي البعيد عن التشهير والاساءة، كما يأتي التهادي بين الازواج وتجديد الود والمحبة في إزالة ما في النفس من حزازات كما انه يجلب السعادة والسرور.